القسم الرياضي : محمد غفغوف
في زمن تعيش فيه الرياضة المغربية، وعلى رأسها كرة القدم، انتعاشًا لافتًا على المستويين القاري والدولي، تبقى بعض المؤسسات العمومية عاجزة عن مواكبة هذا التحول، ومن بين هذه المؤسسات، تبرز الشركة الوطنية لإنجاز وتدبير المنشآت الرياضية “صونارجيس”، التي تحولت، رغم رصيدها الإيجابي في تأهيل البنيات التحتية، إلى واحدة من أبرز مظاهر البيروقراطية التي تعيق تطور الرياضة الوطنية.
ومن باب الإنصاف، لا يمكن التغاضي عن الدور الذي لعبته صونارجيس منذ تأسيسها سنة 2002، في تحديث وتأهيل عدد من الملاعب الكبرى، مثل ملعب طنجة، المجمع الرياضي الأمير مولاي عبد الله، ملعب فاس الكبير، ومركب محمد الخامس. وقد أسهمت الشركة، إلى حدّ ما، في تمكين المغرب من التوفر على منشآت رياضية بمواصفات دولية تؤهله لاستضافة تظاهرات كبرى ككأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030.

غير أن هذا المسار الإيجابي بدأ يفقد بريقه تدريجيًا، بسبب نهج تدبيري يتسم بالجمود، وغياب النجاعة والمرونة، وطغيان البيروقراطية على منطق الشراكة والدينامية الرياضية.
فعدد من الأندية الوطنية في مختلف الأقسام باتت تشتكي من صعوبات حقيقية في التعامل مع صونارجيس، فالحصول على ترخيص لاستغلال ملعب أو تنظيم نشاط رياضي أصبح رهينًا بمساطر إدارية معقدة وطول الانتظار، إضافة إلى تكاليف مرتفعة لا تراعي الوضع المالي الهش لعدد كبير من الفرق.
والمؤسف أن صونارجيس، بدل أن تنخرط في دعم هذه الأندية التي تمثل عصب الرياضة الوطنية، تتعامل معها كزبائن وليس كشركاء، في تغييب تام للرؤية التنموية التي من أجلها أُحدثت الشركة.

وفي الوقت الذي أصبحت فيه الملاعب الرياضية في العالم فضاءات متعددة الوظائف، تجمع بين الترفيه، التسويق، والتكوين، لا تزال صونارجيس حبيسة منطق التدبير الكلاسيكي الذي يركز فقط على الصيانة والتسيير الإداري، دون أي رؤية لتثمين هذه الفضاءات كمراكز إشعاع اقتصادي ورياضي.
فلا بيع التذاكر تم رقمنته بشكل فعال، ولا خدمات إضافية تم تطويرها للجمهور، ولا مشاريع تجارية موازية تم إطلاقها لخلق مداخيل دائمة لصيانة المنشآت أو دعم الفرق.
ولعل ما يؤكد اتساع أثر اختلالات صونارجيس هو ما يحدث في رياضة السباحة، التي تعاني بدورها من ثقل التكاليف المفروضة من طرف الشركة على الأندية الراغبة في استغلال المسابح التابعة لها، فقد أصبحت صونارجيس، بشكل غريب، منافسًا غير مباشر للأندية بدل أن تكون داعمًا لها، عبر فرض أثمنة مرتفعة وغير متناسبة مع طبيعة الرياضة وأهدافها التكوينية.
مما اضطرت معه مجموعة من الأندية إلى الانسحاب أو تقليص أنشطتها، بينما لجأت أخرى إلى القطاع الخاص، في محاولة لتفادي الإفلاس أو التوقف التام.
هذه الوضعية الخطيرة تهدد بتقويض جهود التكوين، وحرمان عدد من الأطفال واليافعين من ممارسة رياضة السباحة، وبالتالي تراجع فرص إنتاج أبطال يمثلون المغرب في المحافل الدولية.
وبسبب الوضع الحالي يفرض وجب إعادة نظر شاملة في نموذج صونارجيس، سواء على مستوى الرؤية، أو الحكامة، أو الشراكات، فالمرحلة القادمة تتطلب شركة مواكبة لطموحات الرياضة المغربية، لا عبئًا إداريًا يُثقِل مسارها.
كما يجب أن تتحول صونارجيس إلى منصة دعم حقيقية للأندية، ومؤسسة مواكبة للطاقات الرياضية، وليس مجرد جهاز لتحصيل الرسوم أو تنظيم الصفقات.
فالمغرب يراهن اليوم، على الرياضة كرافعة للتنمية والإشعاع الدولي، وهذا الرهان يفرض أن تكون كل المؤسسات، وخصوصًا صونارجيس، في قلب المشروع. فإما أن تتجدد الشركة وتتطور لتلعب هذا الدور، أو تترك المجال لبدائل أكثر نجاعة ومرونة.

