فاس : محمد غفغوف
في خطوة تعكس عمق الأزمة التي باتت تعاني منها المشاريع الثقافية والفكرية الجادة في المغرب، أعلنت إدارة مهرجان أغورا الدولي للسينما والفلسفة بفاس عن تأجيل دورته العاشرة، أو احتمال إلغائها، بسبب ما وصفته بـ”الحصار والتهميش الممنهج” الذي يطال المهرجان، رغم إشعاعه الوطني والدولي.
وفي بيان شديد اللهجة، عبّرت جمعية أصدقاء الفلسفة، الجهة المنظمة للمهرجان، عن أسفها لما آلت إليه الأوضاع، معتبرة أن “الاغتراب الثقافي” الذي يشهده الواقع المغربي يسير نحو تجريد الفعل الثقافي من معناه، وتكريس الزيف بدل الحقيقة، في وقت يُمنح فيه الدعم السخي لبعض المهرجانات “النمطية”، بينما يُقصى مهرجان أغورا الذي جمع، عبر سنواته، بين الفكر السينمائي والفلسفة النقدية.
المهرجان، الذي استضاف فلاسفة ومفكرين عالميين من طينة إدغار موران، وجياني فاتيمو، وجون فيراري، ومخرجين عالميين ومغاربة مرموقين، يرى نفسه اليوم محاصَرا بدعم هزيل لا يسمح حتى بتغطية تكاليف الإقامة والتغذية الأساسية لضيوفه، ما يدفع منظميه، أحيانًا، إلى “التسول الثقافي”، على حد وصف البيان، من خلال فتح البيوت الفاسية العتيقة أمام الضيوف لتأمين الحد الأدنى من الكرامة.
واعتبرت الجمعية أن ما يحدث ليس مجرد نقص في الموارد، بل سياسة ممنهجة لإقصاء الفلسفة والفكر الحر، متسائلة إن كان هذا هو “نهاية المغرب العقلاني”، وهل باتت الفلسفة “ممنوعة من المال العام” لأنها تزعج البعض.
البيان لم يخلُ من انتقاد مباشر لبعض الجهات المسؤولة، وخصّ بالذكر ما وصفه بـ”الانتقام البيروقراطي”، في إشارة إلى رفض الجمعية تلبية رغبة أحد المسؤولين في تمويل سفر غير مبرر، ما اعتبرته سببًا مباشرا في منع الدعم عنها.

وفي وقت لم تُصدر فيه الجهات الرسمية المعنية أي توضيح أو رد فعل حتى الآن، دعت الجمعية إلى حوار مفتوح مع مجلس المدينة، والسلطات الولائية، والجهة، وبعض الفاعلين المدنيين، من أجل إنقاذ هذه التجربة الثقافية التي باتت مهددة.
واختُتم البيان بدعوة صريحة إلى “تمزيق الحجاب عن الحقيقة وفضح المسكوت عنه”، دفاعًا عن مغرب حر، ديمقراطي، يتسع لكل المبادرات الجادة، ويضمن عدالة ثقافية في توزيع الدعم، بعيدًا عن منطق الولاءات والانتماءات الضيقة.
إنها ليست مجرد أزمة مهرجان، بل لحظة مفصلية في النقاش حول الثقافة والعدالة والديمقراطية في المغرب. فهل نملك الشجاعة لفتح هذا النقاش بصدق ومسؤولية؟

