بقلم: محمد غفغوف
لم تكن يوماً بالنسبة لنا مجرّد مدينة نعيش فيها، فاس كانت دائماً تلك الأم الحنون التي تربينا في أحيائها، وتشبعنا من ذاكرتها، وتكونت فينا طبائعنا وقيمنا بين أزقتها العتيقة وهوائها الممزوج بعبق التاريخ، أحببناها بصدق، وضحينا من أجلها بصمت، واحتملنا في سبيلها ما لا يُحتمل، لكن من غير المعقول أن نستمر في الصمت، وفاس تتراجع، وتُهمّش، وتُختزل في زاوية النسيان.
ما تعيشه المدينة من تدهور في البنية، وتراجع في الدور، وتآكل في المكانة، ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لسوء التدبير، والارتهان لمن لا يملكون رؤية ولا كفاءة، ولم نطلب يوماً شيئاً لأنفسنا، بل طالبنا فقط باحترام الكفاءات، والإنصات لأصحاب التجربة، وفتح الباب أمام الطاقات القادرة على تقديم الإضافة الحقيقية، لا نريد فاس رهينة المصالح، ولا أسيرة الريع، ولا حقل تجارب لمغامرين في السياسة.
شخصياً، ناضلت وسأظل أناضل من أجل رد الاعتبار لذاكرة فاس، في الثقافة، في الرياضة، في العمل المدني، وفي كل مساراتها التي تستحق أن تُروى بفخر، وسأظل أؤمن بالشباب الذين يحملون النور في عيونهم، وبأن فاس لا يمكن أن تستعيد ألقها إلا بهم ومعهم، لكن في المقابل، لن نصمت أمام العبث، ولن نسمح لمن لا يفقهون شيئاً أن يقرروا في مصير المدينة، ولا لمن تعودوا العيش على فتات الريع أن يرسموا ملامح المستقبل.
ورغم هذا كله، يبقى فينا بصيص أمل، أمل في الحركية التي بدأت تعرفها فاس، وفي بعض الوجوه الجديدة التي تتحمل المسؤولية اليوم، فربما تكون هذه مرحلة انتقالية نحو مستقبل أنظف وأعدل… مستقبل يُنصت فيه لأصوات الميدان، لا لأصوات الصفقات.
فاس مدينة لا تستحق الشفقة… بل تستحق الاحترام، تستحق من يديرها بعين العاشق لا بعقل التاجر، وهي مدينة لا تليق بها إلا النخبة التي تفهمها وتحبها وتخاف عليها.
فاس التي نحب… يجب أن تكون هي فاس التي تستحق.

