المغرب 360 : محمد غفغوف
أفرزت الانتخابات الجزئية التي جرت يوم أمس بمدينة فجيج، شرق المملكة، نتائج لافتة تمثلت في اكتساح فيدرالية اليسار لكافة المقاعد التسعة المتبارى عليها، في مشهد سياسي غير معتاد في مشهد الانتخابات المحلية، وأعاد تسليط الضوء على خصوصية هذه المدينة الحدودية وهمومها العميقة.
فوز فيدرالية اليسار لم يكن مفاجئًا لمن واكب تطورات الوضع المحلي في فجيج خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ما يتعلق بقضية الماء وتدبيره، إذ كانت واحة فجيج، بحكم تاريخها وتركيبتها الاجتماعية، تعتمد على نظام خاص في تدبير المياه ينبني على الملكية الجماعية للآبار وتوزيعها التقليدي بين السكان، هذا النظام، وإن بدا تقليديًا، شكل أحد رموز السيادة المحلية والهوية الجماعية لأهل المدينة.
لكن دخول الشركة الجهوية للتوزيع (SRM) على الخط، ومحاولتها بسط سيطرتها على هذا المورد الحيوي، أشعل فتيل التوتر، واعتُبر محاولة “لتجريد السكان من ملكهم التاريخي”.

وفي هذا السياق، وجد عدد من اليساريين من أبناء المدينة داخل وخارجها في فيدرالية اليسار الإطار السياسي المناسب لخوض هذه المعركة الوجودية.
خلال الانتخابات السابقة، تمكن مرشحو الفيدرالية من حصد تسعة مقاعد من أصل 16، لكن عدم تجاوب الأغلبية المسيرة للمجلس مع مطالبهم بخصوص ملف الماء دفعهم إلى تقديم استقالة جماعية، مرفوقة بالدعوة إلى انتخابات جديدة. الرسالة كانت واضحة: لن يكونوا شهود زور على ما يعتبرونه تواطؤًا ضد مصالح السكان.
وقد جاءت انتخابات البارحة لتؤكد رسوخ هذا الوعي الجماعي، حيث جدد سكان فجيج ثقتهم في مرشحي الفيدرالية، مانحين إياهم كافة المقاعد المطروحة، في تعبير ديمقراطي قوي عن الرفض الشعبي لمحاولات تفويت الموارد الطبيعية للمصالح التجارية.
ورغم الانتصار الواضح، تبقى المعركة مفتوحة، إذ أن استمرار نفس التوازنات داخل المجلس أو تكرار اللامبالاة من طرف الدولة قد يدفع الأعضاء الفائزين لتقديم استقالة ثانية، في محاولة للضغط على المؤسسات الرسمية وإحراجها أمام الرأي العام.
قضية فجيج ليست فقط معركة حول الماء، بل هي أيضًا معركة رمزية حول السيادة المحلية، والعدالة المجالية، والحق في تقرير المصير التنموي، وقد يكون إصرار سكانها وتشبثهم بحقوقهم مثالاً لما يمكن أن تصنعه الإرادة الجماعية حين تتوفر لها القيادة الملتزمة والمشروع الواضح.

