بقلم : محمد غفغوف
في عالم تحكمه القوانين وتُؤطره أخلاقيات المهنة، يظل من حق أي فنان أو رياضي أو سياسي أو شخصية عمومية، أن يرفض التعامل مع منابر صحفية أو إعلامية يعتقد أنها أساءت إليه أو لم تحترم خصوصياته وكرامته، هذا الحق ليس فقط مكفولًا أخلاقيًا، بل هو معمول به في كبريات الديمقراطيات، حيث تُبنى العلاقة بين الصحفي والشخصية العمومية على أساس الاحترام المتبادل والثقة، لا على الابتزاز والتشفي.
لكن المؤسف أن هذا المبدأ البديهي أصبح اليوم غائبًا – أو مغيّبًا – في جزء من المشهد الإعلامي المغربي، حيث ظهرت فئة من “المتطفلين” على المهنة، لا علاقة لهم بالصحافة سوى الاسم، دخلوا المجال من نوافذ ضيقة، زمن “البونجات” و”المكالمات التوصية”، دون تكوين ولا ضمير، وبدؤوا في تحويل الصحافة إلى وسيلة للانتقام، والتشويه، وتصفية الحسابات.
دنيا بطمة، الفنانة المغربية التي صنعت لنفسها اسمًا في الساحة الفنية العربية، قد تكون لها مواقف، وقد تكون قد أخطأت أو أصابت في لحظات معينة – شأنها شأن أي إنسان – لكنها تظل مواطنة مغربية لها حقوق، أولها الكرامة، وآخرها الحق في الاعتراض على التعامل مع منابر لا تحترم الحدود المهنية ولا الأخلاقية.
ما تعرضت له دنيا بطمة من حملات تشهير وقذف وسب، لا يدخل في إطار النقد، بل في خانة التحقير والابتذال، ويُعبّر عن مستوى متدني من التعامل مع الكلمة، إذ تحوّل بعض “الصفحات” و”القنوات” و”المواقع” إلى منصات للقصف المجاني، بلا أدنى احترام لأبسط القواعد الصحفية.
والأخطر من ذلك، أن هذا النوع من المحتوى يُروج تحت غطاء “الجرأة” و”حرية التعبير”، بينما هو في الحقيقة، انزلاق خطير نحو العشوائية الإعلامية، التي لا همّ لها سوى جمع “الجيمات” و”اللايكات”، حتى ولو كان الثمن سمعة شخص أو مستقبل عائلة أو صورة وطن.
كل من يتضامن مع هذه الكائنات الإعلامية التي لا تحترم المهنة، عليه أن يراجع نفسه، وأن يعرف أن التضامن الحقيقي يجب أن يكون مع الضحية، مع من يُطعن في شرفه دون دليل، مع من تُنسج عنه القصص والحكايات الكاذبة، فقط لأنه رفض الإدلاء بتصريح أو سحب ثقته من منبر.
فالصحافة أخلاق ومسؤولية قبل أن تكون سلطة، هي مساءلة نقدية موضوعية، وليست تصفية حسابات رخيصة، وهي كذلك حوار مبني على المصداقية، لا منصة للاغتيال المعنوي، وما يحصل اليوم هو نتيجة سكوت طويل عن تطاول “الغوغائيين”، وتشجيع ضمني لسلوكاتهم من طرف من لا يميز بين الجرأة والوقاحة.
ومن هذا المنطلق، أجدني مُلزمًا بالتعبير عن تضامني مع الفنانة دنيا بطمة، ومع كل من تعرض أو قد يتعرض لمثل هذه الممارسات البذيئة.
كما أوجه ندائي إلى الجسم الصحفي المهني والنقابات والمؤسسات الوصية على الإعلام، بأن تتحمل مسؤوليتها، وأن تطهر الساحة من هؤلاء “المحسوبين” على المهنة، صونًا لكرامة المواطن، وحماية لصورة الصحافة المغربية التي يدفع ثمنها الشرفاء من الصحافيين والصحافيات.

