بقلم : محمد غفغوف
مرة أخرى، تستفيق مدينة فاس على فاجعة جديدة، عشرة أرواح أُزهقت تحت أنقاض منزل منهار بالحي الحسني بمقاطعة المرينيين، لتنضاف إلى سجل أسود من الانهيارات المتتالية التي حولت أحياء المدينة العتيقة والهامشية إلى مناطق للموت البطيء. كأن فاس تُعاقب على ماضيها المجيد، وعلى تاريخها العريق، وعلى مكانتها التي تحولت إلى ذكرى مؤلمة وسط الحطام.
لا يمكن أن يُعقل أن تظل هذه الفواجع تمر مرور الكرام، كل انهيار يكشف حجم الفساد، واللامبالاة، وانهيار قيم المسؤولية. كل ركام يفضح منظومة تدبير فاشلة، تُدار بعقلية الغنيمة لا المصلحة العامة، عقلية تضع كراسي الجماعة فوق أرواح المواطنين.
فضائح التدبير الجماعي تفجرت ولم تعد خافية على أحد، اعتقالات، تحقيقات، فرار منتخبين، صفقات مشبوهة، تزوير وثائق، وخرق للقانون، كل هذا يُدار تحت أنظار ساكنة اعتادت أن تُخدع باسم “القرب”، و”المعقول”، و”التغيير”، وتستاهلو أحسن، ثم تُباع في موسم الانتخابات بـ”قفف” لا تسمن ولا تغني من جوع، أو وعود كاذبة لا تتحقق.
فاس، التي أنجبت قادة وفلاسفة وعلماء، أصبحت اليوم رهينة بين أيدي من لا يعرفون من المدينة سوى طرق النهب والابتزاز، فاس تُباع في المزاد السياسي بأرخص الأثمان، والساكنة تؤدي الثمن الأكبر: موتًا، تهميشًا، وتفقيرًا.
لكن، من المسؤول حقًا؟ هل نحمّل الفاسدين وحدهم المسؤولية؟ أم أن بعض الناخبين الذين يُفرّطون في أصواتهم مقابل دريهمات ووعود زائفة شركاء في الجريمة؟
آن الأوان لنقولها بوضوح: كفى من الخضوع، كفى من بيع الكرامة، كفى من تحويل فاس إلى مدينة منكوبة في صمت، إن لم نُحاسب الفاسدين بأصواتنا، ونختَر الأصلح لا الأرخص، فإن الكارثة القادمة ستكون أقرب مما نتصور.
فاس تستغيث، فهل من مجيب؟
وإن لم تكن أنت، فمن؟

