بقلم: محمد غفغوف
بين ماضٍ مجيد وحاضر مرتبك، تعيش مدينة فاس حالة تراجع ثقافي وفني ورياضي ومدني غير مسبوقة، المدينة التي كانت تشع بمهرجاناتها، وتتوهج بمبادرات جمعياتها، وتزخر بمواهبها ومؤسساتها، أضحت اليوم فضاءً باهتًا، صامتًا، بلا روح، والسبب؟ سياسة صمّاء لا تؤمن إلا بالإقصاء، ومجلس جماعي يبدو أنه اختار الاصطدام مع الفاعلين بدل مد اليد إليهم.
منذ أن تولّت الأغلبية الحالية زمام التدبير، عرفت المدينة تجميدًا شاملًا للدعم العمومي، توقفًا شبه تام للشراكات، وانسدادًا في الأفق أمام الجمعيات الجادة والمبادرات الخلاقة، وهنا تطرح الأسئلة نفسها بإلحاح ومرارة:
– بأي ذنب تم تجفيف منابع الدعم عن الجمعيات التي راكمت سنوات من العمل الجاد؟
– من أوقف دينامية المهرجانات الثقافية واللقاءات الفنية والأنشطة الرياضية التي كانت تُنعش المدينة؟
– أين اختفت الشراكات التي كانت تُعد شرايين الحياة لمدينة تبحث عن مكانتها في خريطة المدن المغربية النشيطة؟
– من المسؤول عن ترك البنيات التحتية في وضع كارثي، بلا صيانة ولا تجهيز، تُغلق الأبواب أمام الشباب والنساء والمبدعين؟
– هل من المعقول أن تظل مدينة بحجم فاس، ذات الإرث التاريخي والحضاري، بلا رؤية ثقافية واضحة ولا سياسة دعم مدني شفافة؟
– لماذا يتم إقصاء الفاعلين المدنيين من دوائر القرار المحلي؟ ولماذا يتم التعامل معهم كمصدر إزعاج بدل اعتبارهم شركاء؟
– هل أصبح التنوع والاجتهاد والإبداع تُهمًا يعاقَب عليها؟ وهل لا مكان اليوم في فاس إلا لمن يباركون الصمت ويسبحون بحمد أغلبية المجلس؟
– أين ذهبت الشعارات البراقة التي رُفعت في الحملات الانتخابية؟ وأين هو الوفاء بالوعود التي خدعت بها الساكنة؟
فاس، أيها السادة، لا تحتاج إلى الزينة في الواجهات، ولا إلى صور “التدشين” الموسمية، ما تحتاجه هو إرادة سياسية شجاعة تُعيد الاعتبار للثقافة والفن والرياضة والعمل المدني، باعتبارها أعمدة أي تنمية حقيقية، ما تحتاجه هو فتح الأبواب، لا غلقها، ومد الجسور، لا بناء الجدران.
إن تجاهل أصوات الجمعيات والناشطين، الجادين لا اولائك الذين خلقوا خدمة لأجندات حزبية، وتكريس منطق الإقصاء والتهميش، لن يؤدي سوى إلى مزيد من العزلة، ومزيد من فقدان الثقة، ومزيد من خفوت الأمل في التغيير.
ففاس لا تُحتضر فقط، بل تُخنق عمدًا، ومن يخنق فاس، يخنق روح المغرب.

