بقلم: محمد غفغوف
في سنوات المجد الاتحادي، كان الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يشكّل حالة سياسية متفردة، لا فقط بمرجعيته الفكرية ونضاله التاريخي، بل بأسلوبه الديمقراطي الداخلي الذي شكّل استثناءً في المشهد الحزبي المغربي.
ففي زمنٍ لم تكن فيه الديمقراطية الداخلية موضة ولا مطلبًا شعبويًا، مارس الاتحاد الاشتراكي القيادة الجماعية، وكان مناضلوه يعيشون مؤتمرات الحزب – محليًا وجهويًا ووطنياً – كأعراس سياسية وفكرية، تُصاغ فيها التحالفات، وتُطرح فيها القضايا، ويُنتخب فيها من يستحق، وسط نقاشات صاخبة ولكنها نبيلة.
كان الكاتب الأول، والمكتب السياسي، واللجنة الإدارية، جميعهم، يجوبون البلاد لتأطير المؤتمرات واللقاءات، يحملون المشروع الاتحادي بروح الفريق، ويحتكمون إلى المناضلين لا إلى ولاءاتهم، وإلى المواقف لا إلى التصفيق.
أما اليوم، نجد أنفسنا أمام واقع حزبي مقلق: الكاتب الأول الحالي – وقد تحول فعليًا إلى زعيم أوحد – يجوب المغرب وحده، يرأس المؤتمرات الحزبية الإقليمية في ظرف لا يتجاوز الساعتين، يلقي الخُطبة ذاتها في كل محطة، وكأننا في جولة مسرحية حفظ فيها الجميع أدوارهم، وانتهى زمن الحوار.
أما المكتب السياسي، الذي يضم أكثر من خمسين عضوًا، فقد غاب أو غُيّب، ولم نعد نسمع له صوتًا، ولا موقفًا، ولا حتى اعتراضًا شكليًا. اختزلت مؤسسة القيادة في شخص، وتحول الحزب من مدرسة جماعية إلى “منبر فردي”، لا صوت فيه يعلو على صوت الزعيم، ولا قرار يصدر إلا من دائرته الضيقة.
فما الرسالة التي يريد هذا النموذج الحزبي أن يوجهها؟
هل يعتقد من دمّر الاتحاد من الداخل أن الحزب مجرد “مِلْك خاص” لا يحق لغيره الاقتراب منه؟
هل يريد أن يُقنعنا أن المناضلين الحقيقيين صاروا عالة، وأن الانضباط يعني الصمت، والطاعة تعني الانمحاء؟
الاتحاد الاشتراكي لم يكن يوماً حزب “الرجل الواحد”، بل وُلد من رحم النضال الجماعي، وصيغ في محنة المقاومة والممانعة، وكتب صفحاته الكبرى بدماء مناضليه وتضحياتهم، لا بخطب الزعيم وبلاغاته.
والمؤسف أن من تبقى من رموز الحزب، يراقبون المشهد بصمت، وكأنما الانهيار قضاء لا يُردّ، أو لعنة لا مفر منها.
لكن الحقيقة الأهم هي أن الاتحاد الاشتراكي ما زال يعيش في ذاكرة المغاربة، وفي قلب مناضلين لم تُشترَ ذممهم ولم يُروَّض لسانهم،
وهؤلاء وحدهم، قادرون على وقف هذا الانحدار وإعادة الحزب إلى سكّته، إن لم يكن من أجل اليوم، فمن أجل الغد الذي يستحق اتحادًا اشتراكيًا لا زعيمًا أبديًا.

