فاس : محمد غفغوف
تعيش جهة فاس-مكناس تحوّلاً استراتيجياً في موقعها الاقتصادي، مُتجاوزة أدوارها التقليدية إلى أفق جديد من الانخراط الفعلي في دينامية الاستثمار الوطني والدولي. هذا ما أكده وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، في افتتاح الدورة الخامسة للمنتدى الاقتصادي للجهة، التي احتضنتها مدينة فاس يوم الخميس تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.
المعطيات التي كشف عنها الوزير ليست مجرد أرقام عابرة، بل تحمل دلالات عميقة على تسارع وتيرة التحول في البنية الاقتصادية للجهة. فقد صادقت اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار، خلال سبعة أشهر فقط، على 455 مشروعاً صناعياً باستثمارات قاربت 10 مليارات درهم. هذا الرقم يكفي وحده للإشارة إلى أن فاس-مكناس بدأت تفرض نفسها بقوة على خريطة المستثمرين الدوليين في مختلف القطاعات الإنتاجية.
مزور اعتبر أن هذا الحضور الاستثماري الكثيف لم يأت من فراغ، بل هو ثمرة لاستراتيجية وطنية عمّقها المغرب عبر رهان طويل النفس على المشاريع البنيوية الكبرى وتطوير البنيات التحتية، ما جعل المملكة تتحول إلى نقطة جذب رئيسية للاستثمارات العالمية، مستندة إلى موقعها الاستراتيجي، واستقرارها السياسي، وقدرتها المتزايدة على تحقيق السيادة الطاقية والغذائية.

الوزير لم يُغفل أهمية العامل البشري في هذه الدينامية الجديدة، مُشيراً إلى أن المغرب يكوّن سنوياً حوالي 30 ألف مهندس، ويُخرج نحو 180 ألف خريج جامعي، إضافة إلى 330 ألف شاب حامل لشهادة مهنية. هذه الأرقام، في نظره، ليست فقط مؤشرات على تطور المنظومة التعليمية، بل هي كذلك محفز حقيقي لتنظيم المجالات الترابية وتمكينها من احتضان طاقات بشرية مؤهلة تستحق أن تتحول إلى قيمة مضافة داخل نسيج اقتصادي منتج.
المنتدى، الذي نُظم تحت شعار “الاستثمار، الابتكار، التعاون: مفاتيح لمستقبل مشترك”، لم يكن مجرد لقاء دعائي، بل جسّد لحظة اقتصادية بامتياز، جمعت أكثر من 20 وفداً دولياً، و52 غرفة مهنية تمثل إفريقيا وأوروبا، ما يؤكد أن الجهة تتأهب فعلاً لتصبح مركزاً إقليمياً جديداً للاستثمار الذكي والتكامل الاقتصادي متعدد الأطراف.
حضور شخصيات وازنة من عالم الاقتصاد والدبلوماسية، يتقدمهم وزير الصناعة والتجارة، ووالي الجهة بالنيابة، ومسؤولون مغاربة وأجانب، أضفى على اللقاء زخماً خاصاً، يُترجم الإيمان الجماعي بأن فاس-مكناس لم تعد جهة تبحث عن موقع لها، بل باتت رقماً صاعداً في معادلة المغرب الجديد.

