بقلم: محمد غفغوف
في المقاهي، في الجلسات الخاصة، في الحانات، وعلى الفيسبوك… الكل يتحدث عن فاس، الكل يتذكرها، يبكيها، يترحّم على ماضيها، ويشتم حاضرها، لكن حين تُفتح أبواب الفعل، يُغلق الجميع نوافذهم ويختفون.
نعيش مفارقة غريبة: مدينة تُعاني كل يوم من التهميش، من الفوضى، من العبث العمراني، من انقراض الذاكرة، من موت الروح… ومع ذلك، حين تنظر من بعيد، تظن أن وراءها جيشًا من العاشقين،
لكن الحقيقة أن كثيرًا من هؤلاء العشاق موسميون، افتراضيون، صوتهم عالٍ في الفيسبوك، لكن أثرهم صفر على أرض الواقع.
وما هو أخطر من الغياب، هو الابتزاز باسم الحب.
بعضهم لا يذكر فاس إلا حين يريد شيئًا لنفسه: دعمًا، وظيفة، ترشيحًا، ظهورًا إعلاميًا، أو مكانًا في واجهة السلطة أو المجتمع، يجعل من حب المدينة ورقة ضغط، لا التزام، يتحدث بلغة العشاق، ويتصرف بلغة الانتهازيين.
وهكذا تتحول فاس إلى شماعة: يعلقون عليها فشلهم، صراعاتهم، خيباتهم… لكنها تظل وحدها من تدفع الثمن.
فاس لا تحتاج لمن يكتب عنها من خلف شاشة فقط،
فاس تحتاج لمن يخرج للشارع، يشتغل في الهامش، ينظم الناس، يزرع الأمل، يفتح مكتبة في حي منسي، أو يطلق مبادرة نظيفة وسط الحي العشوائي، يؤطر وينشر الوعي.
فاس تحتاج إلى جيل جديد من أبنائها، لا يخجل من الانتماء، ولا يبيع الحب في سوق النفاق العام.
من يحب فاس حقًا، لا يتحدث عنها فقط، بل يدافع عنها.
ومن يدافع عنها، لا ينتظر مقابلا، ولا يختفي حين تتعقد الأمور.
فاس اليوم لا تموت فقط بالتهميش، بل بصمت أبنائها،
ولا ينقذها إلا من قرر أن يكون جزءًا من الحل، لا مجرد متفرج حزين.
أكتب هذا لأنني أحب فاس، وأخجل من الذين يتكلمون باسمها وهم أول من غاب عنها حين احتاجت إليهم.
إذا كنت تقرأ هذه الكلمات وداخلك شيء من الغيرة على هذه المدينة، فأرجوك… لا تبق صامتًا.
تكلم، تحرك، ابذل جهدًا… أو على الأقل، لا تبتزها باسم حب لا تملكه.

