القسم الرياضي : محمد غفغوف
في عزّ اللحظة التي بدأت فيها جماهير المغرب الفاسي تلتقط أنفاسها بعد سنوات من الإحباط والانتظار، تخرج من جدران الصمت مؤشرات خطيرة تشي بأن النادي العريق يُقاد بخطى متسارعة نحو نفق مظلم، لا بفعل أزمة مالية أو رياضية فقط، بل بسبب طاعون أخطر: التوظيف الانتهازي للفريق في أجندات لا تمتّ للرياضة بصلة.
لقد عاش الفريق الفاسي، خلال الشهور الماضية، حالة من الانبعاث الهادئ، حيث تم ضخ الملايير لتسوية ملفات عالقة، رُفع الحظر عن الانتدابات، واستعاد الفريق شيئًا من توازنه داخل البطولة، بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط، كل المؤشرات كانت توحي بولادة مرحلة جديدة، يقودها رئيس وفريق عمل تعهّدوا بفتح صفحة التدبير النظيف والاحتراف الفعلي، ضمن رؤية تعيد للماص هيبتها وهويتها كمدرسة رياضية لا كأداة في معارك خارج المستطيل الأخضر.
غير أن الرياح، كعادتها مع هذا الفريق، لا تأتي بما يشتهيه الحريصون عليه، ففي الكواليس، تُنسج خيوط مؤامرة صامتة، تُدبّر بدقة لإجهاض مشروع الإصلاح من داخله، رئيس الجمعية، الذي كان يُفترض أن يكون ضامنًا للاتفاق المؤسس بين الشركة والجمعية، اختار فجأة أن يرتدّ على التزاماته، ليس بسبب عجز مالي أو خلل قانوني، بل استجابة لضغوط خارجية مرتبطة بأجندات لا علاقة لها بكرة القدم ولا بمصلحة الفريق.
مصادر متقاطعة تتحدث عن تدخلات مباشرة من الرئيس السابق، مدعومة بنفوذ والده ومُساندة أطراف تسعى لاستغلال النادي لخدمة مصالح ومشاريع ضيقة لا تمت بصلة للرياضة أو أخلاقياتها، وكأن الماص ضيعة خاصة، أو ملكية عائلية تُدار حسب المزاج والمصلحة.
الرئيس الحالي للنادي، محمد بوزوبع، الذي لم يدخر جهدًا في إعادة الفريق إلى سكة الإنقاذ، وجد نفسه محاصرًا في معركة ليست رياضية، بل تحكمها حسابات دخيلة تهدد بانهيار المشروع من أساسه.
وتشير المعطيات إلى أن صبر الرجل بدأ ينفد، وأنه لمّح في جلسات مغلقة إلى استعداده للانسحاب، رفقة مستثمرين ومساهمين فقدوا الثقة في بيئة لم تعد تحترم الالتزامات ولا تضمن الحد الأدنى من الحكامة.
ما يُدبّر اليوم داخل الماص ليس مجرد صراع من أجل المواقع، بل هو محاولة انقلاب على منطق الإصلاح، وتفخيخ للمسار من الداخل، وتوظيف مفضوح لكيان رياضي في مشاريع مصلحية لا رياضية، دون اعتبار لتاريخ النادي، ولا لمشاعر الجماهير التي لا تزال تنزف من خيبات الماضي.

أمام هذا المشهد العبثي، لم تعد الجماهير صامتة، خرجت الأصوات غاضبة، تُندد وتُحذر، وتُعلن رفضها القاطع لتحويل الفريق إلى وسيلة لخدمة مصالح لا تمت للرياضة بصلة، “فاس ليست مزرعة”، و”الماص ليست وسيلة للركوب على الأحداث”، هكذا صرخت الصفحات والمجموعات والمنابر.
إنقاذ الماص لم يعد مسؤولية المكتب المسير فقط، بل هو الآن اختبار حقيقي لضمير المدينة: نخبها، سلطاتها، إعلامها، وفعالياتها. لأن الصمت عن هذا المسار الانحداري، هو خيانة للتاريخ، وخذلان لأجيال تربت على حب هذا الفريق باعتباره رمزا لهوية فاس وتنوعها وكرامتها الجماعية.
المغرب الفاسي ليس مجرد فريق، بل هو معمار وجداني، ذاكرة حيّة، ومؤسسة أوسع من أي فرد أو عائلة أو مصلحة، ومن يصرّ على العبث به، إنما يعبث بجزء من روح هذه المدينة.
فهل من عاقل يوقف هذا الانحدار قبل فوات الأوان؟

