بقلم: محمد غفغوف
في عمق جبال الأطلس، حيث تنام الحجارة على صبر الأمهات، وحيث الجليد لا يغطي القمم فقط، بل يمتد ليكسو القلوب الحكومية ببرود التجاهل، تقف قرية آيت بوكماز شاهدة على فصول من التهميش الممنهج، واللامبالاة المفضوحة.
ليست مطالب الساكنة هناك أحلامًا وردية، ولا شعارات مثالية، ولا نزوات رفاهية كما يتوهم من يكتفون برؤية المغرب من نوافذ المكيفات، إنها مطالب تُكتب بالعرق، وتُرفع من عمق الحاجة، وتُقال بحروف الألم…
طريق واحدة نحو أزيلال، تمر عبر تيزي نترغيست وآيت عباس، لكنها محاصَرة بالإهمال، كأنها درب إلى النسيان، شبكة هاتف وإنترنت، لمجرد أن يشعر المواطن أنه ليس خارج هذا الكوكب، رخص بناء تعسفية تُجرد الناس من أبسط حقوقهم فوق أراضيهم، وتُحوّل حلم البيت إلى كابوس إداري، طبيب واحد مقيم، لا أكثر، فقط ليكون هناك وجه أمل في مركز صحي بلا روح، وملعب بسيط، لا يستدعي قروضًا دولية ولا دراسات بيئية، فقط فضاء يهرب إليه شباب القرية من رتابة الإقصاء.
فقط هذه المطالب،ولا شيء غيرها.
مطالب تُقاس بالكرامة، لا بالميزانيات.
مطالب تُشبه أهل الجبل: صلبة، واقعية، لا تتوسل.
لكن المفارقة المؤلمة، بل الفضيحة السياسية، أن هذه الحاجات البسيطة لا تجد من يصغي، في الوقت الذي تُفتح فيه خزائن الدولة لاحتفالات وبهرجات دولية لا تشبه واقع البلاد، أسبوع من التحضير لكأس العالم يكفي لتغيير وجه آيت بوكماز… لكن من قال إن الإنصاف أولويات حكومة تُغريها الكاميرات أكثر من آهات المهمشين؟
فما قول رئيس الحكومة؟
هل يرضى أن يُحكم باسم التنمية، فيما جزء من شعبه لا يجد طريقًا آمنًا إلى المستشفى؟
هل يدرك أن المجد لا يُبنى على الإسفلت اللامع، بل على عدالة تصل آخر قرية في أقصى الجبل؟
نعم، نحن في زمن تتباهى فيه الدولة بمشاريع كبرى، لكن الجبل لا يُقاس بالناطحات، بل بالضمير،
فلا معنى لتطوير المركز، إن كان الهامش يموت في صمت
ولا معنى للرايات المرفوعة في الملاعب، إن كانت أمهات الأطلس يُكفّنّ أبناءهنّ على قارعة التهميش.
آيت بوكماز لا تطلب المستحيل، بل فقط الحياة،
وإذا كانت الدولة لا تسمع هذا الصوت، فعيب على السياسة أن تُسمّى وطنية، وفضيحة على المسؤول أن يُسمّى خادمًا عموميًّا.
فلتصعد الحكومة إلى الجبل، ولو ليوم.
ولتنظر في عيون الأطفال هناك، قبل أن تكتب خطابًا جديدًا عن “العدالة المجالية” أو “النموذج التنموي الجديد”.

