بقلم: محمد غفغوف
صحيح أن انتخاب محمد بوزوبع رئيسًا جديدًا لنادي المغرب الفاسي يثير التفاؤل، خصوصًا وأن الرجل يحمل خبرة محترمة جدًا في مجال المقاولة المغربية، ويُعد اليوم من رجالاتها المعروفين. هذه التجربة تمنحه رؤية إدارية مغايرة، وقدرة على إدخال ثقافة الحكامة والشفافية في تسيير النادي، الذي طالما عانى من تذبذب واضح في أدائه الإداري والمالي.
لكن التاريخ القريب للنادي يجعلنا نعيش حذرًا متأصلًا، فكم من وعود وأحلام عُقدت في جمعيات عامة سابقة، لم ترَ طريقها إلى التنفيذ، وكم من شعارات رفعها المسؤولون دون أن يتبعها عمل حقيقي يليق بتاريخ “الماص” العريق؟ هذا الماضي المليء بالإخفاقات يجعل الجماهير تتساءل: هل ستتغير الأمور فعلاً، أم أننا أمام فصل جديد من مسلسل التكرار؟
التحديات التي تنتظر بوزوبع ليست سهلة، أولها التعامل مع الملفات المالية التي لا تزال تثير الجدل، وعلى رأسها كتلة أجور مؤطري مدرسة النادي التي بلغت 350 مليون سنتيم، والتي كان الجمع العام واضحًا في مطالبه بمراجعتها وتدقيقها. إدارة مالية صارمة وحكامة حقيقية ليست رفاهية، بل ضرورة ملحة لضمان استمرارية النادي وقدرته على المنافسة.
أما التحدي الثاني، فهو إعادة بناء منظومة التكوين التي تعتبر العمود الفقري لأي نادي يرغب في الاستمرار وتحقيق نتائج مستدامة. فالمغرب الفاسي، الذي كان يومًا منارة للتكوين والاحتراف، بات اليوم يعاني من تراجع ملحوظ في هذا الجانب، ما يهدد مستقبله الرياضي على المدى المتوسط والبعيد.
ولا يمكن إغفال التحدي الثالث، وهو استعادة ثقة الجماهير، التي لطالما كانت الدعامة الأساسية لأي نجاح. هذه الجماهير التي تحملت صبرًا طويلًا، تنتظر أن ترى فريقها يقاتل على أرض الملعب، لا فريقًا مجردًا من الروح أو فاقدًا للمنافسة. وعليه، فإن بناء علاقة ثقة جديدة مع الأنصار لا يتم إلا بالنتائج الميدانية التي تحفز الحضور وتزرع الفرح في القلوب.
أما على مستوى الهيكلة القانونية الحالية للنادي، تواصل الشركة الرياضية برئاسة عمر بنيس التحكم في 60% من الأسهم مقابل 40% للجمعية، مما يشكل بيئة معقدة قد تؤثر على اتخاذ قرارات جريئة وسريعة، خاصة في ظل الضغوط المختلفة والمتطلبات المتزايدة لاحتراف الكرة المغربية.
إلى جانب التحديات المالية والإدارية والرياضية، يبقى الدور الحقيقي لمؤسسة المنخرطين في النادي حجر الزاوية الذي لا يمكن تجاوزه. وللأسف، كانت هذه المؤسسة على مدى السنوات الماضية مجرد آلة تصويت خلال الجموع العامة الانتخابية، غائبة عن المشاركة الفعلية في صنع القرار أو مراقبة تسيير النادي.
على الرئيس الجديد أن يضع إعادة تفعيل مؤسسة المنخرطين كأولوية حقيقية، من خلال منحها الصلاحيات والآليات اللازمة لتصبح شريكًا أساسيًا في التسيير، وليس مجرد هيئة استشارية هامشية. هذا يتطلب تنظيم لقاءات دورية، وفتح قنوات تواصل شفافة، واستثمار حكيم لطاقات المنخرطين في دعم مشاريع النادي وتنمية استراتيجيته.
كذلك لا يمكن تجاهل أهمية لجنة الحكماء، التي أنشئت كهيئة استشارية مرجعية تحافظ على قيم النادي وتتدخل في وقت الأزمات. لكن واقعها غالبًا ما كان شكليًا أو رمزيًا، ولتحقيق الهدف من هذه اللجنة يجب أن تتجاوز وجودها مجرد الاجتماعات الشكلية، وأن تمنح صلاحيات فعلية تُمكنها من التدخل بإيجابية في ضبط التسيير، فضلاً عن قدرتها على أن تكون صوت الحكمة والضمير داخل النادي.
باختصار، إن تفعيل هذين الركنين سيخلق توازنًا داخليًا صحيًا، يقلل من مركزية القرار، ويزيد من المساءلة والشفافية، وهو ما ينعكس إيجابيًا على الأداء الرياضي والمالي للمغرب الفاسي.
في النهاية، المغرب الفاسي على مفترق طرق حقيقي، إما أن يستغل هذه الفرصة الجديدة التي يمثلها بوزوبع للانطلاق نحو إعادة البناء الفعلي، أو أن يستمر في دوامة التراجع التي ستحرم الفريق من أحلامه ومكانته التاريخية.
الجميع يتمنى أن تكون المرحلة المقبلة مختلفة، أن تتحول الوعود إلى مشاريع ملموسة، والكلمات إلى أفعال، وبوزوبع، كرئيس صاحب تجربة اقتصادية وحكامة مؤسساتية، مطالب اليوم بأن يثبت أن كرة القدم لا تدار بالكلام، بل بالعمل الميداني والقرارات الشجاعة.
والجمهور الفاسي مستعد للدعم، لكنه لا يقبل بالمهادنة، ولا يتساهل مع التأجيل أو التسويف، فهل ينجح بوزوبع في كتابة فصل جديد مليء بالأمل، أم ستبقى الذكرى القديمة للخيبات أكثر حضورًا في ذاكرة “الماص”؟ الأيام المقبلة ستكون الحكم.

