فاس : محمد غفغوف
يختلف اثنان في أن النقل الحضري بفاس يعيش واحدة من أسوأ فتراته على الإطلاق. ومع ذلك، يخرج علينا مجلس المدينة مزهوا وهو يعلن عن وصول أربعين حافلة، وكأنها طوق نجاة طال انتظاره، بل ويُسوَّق الحدث على أنه إنجاز تاريخي يستحق التصفيق والتطبيل، لكن عن أي إنجاز نتحدث إذا كانت هذه الحافلات في الأصل مستعملة، لا تحمل في طياتها سوى استمرار منطق الترقيع؟
لقد سئم المواطنون من هذه المسرحيات المتكررة، التي تُقدَّم فيها الحلول المؤقتة على أنها مشاريع كبرى، والحقيقة أن فاس تحتاج إلى مخطط متكامل لإصلاح منظومة النقل، لا إلى “صُوَر” تلمع في منصات التواصل الاجتماعي، التاريخ لا يرحم، وسيكتب أن هذه المدينة العريقة التي أنجبت العلماء والمبدعين تُعاني اليوم من عجز في أبسط حقوق ساكنتها: التنقل الكريم.
والأدهى من ذلك، أن أحياء كاملة أُقصيت من الخدمة بعد حذف الخطوط التي كانت تربطها بوسط المدينة، كحي عين السمن والعنبرة وغيرهما. فما جدوى أربعين حافلة إذا كان الآلاف من سكان هذه الأحياء ينتظرون عبثًا وسيلة نقل تُخرجهم من عزلتهم اليومية؟ أي منطق يُقنع الطالب الذي يفقد مقعده في الجامعة لأنه لم يجد حافلة توصله في الوقت المناسب؟ وأي عذر يُقدَّم للأجير الذي يقطع المسافات سيرًا على الأقدام ليصل متأخرًا إلى عمله؟
إنها مسؤولية سياسية وأخلاقية قبل أن تكون تقنية أو لوجيستيكية، فالتدبير الجيد يقاس بمدى قدرة المجلس على ضمان خدمة عمومية تحترم كرامة المواطن، لا بقدرة أعضائه على التقاط الصور بجانب حافلات مستعملة.
آن الأوان لأن يتوقف مسلسل التضليل، ولأن يباشر مجلس المدينة إصلاحًا حقيقيًا يعيد لفاس مكانتها، ويمنح ساكنتها أبسط حقوقها، فالتاريخ لن يرحم من اختار التطبيل على حساب الحقيقة، ولن يغفر لمن أدار ظهره لهموم الناس.

