فاس : محمد غفغوف
لم تكن النافورات التي تزين شوارع وساحات العاصمة العلمية مجرد زخرفة إسمنتية تنفث الماء في الفضاء العام، كانت ذاكرة بصرية وروحية تربط فاس بتاريخها، حيث الماء أصل الحياة، وحيث العيون والرياض والحدائق منحت المدينة هويتها وخصوصيتها الحضارية.
لكن اليوم، المشهد تغيّر، نافورات صامتة، مياه مقطوعة، أحواض جافة تحولت إلى أوعية إسمنتية عارية، صمتها ليس عابرًا، بل يصرخ في وجهنا جميعًا: من المسؤول عن هذا الجفاف الاصطناعي وسط مدينة كانت رمزًا للفيض والعطاء؟
من السهل أن يختبئ المجلس الجماعي وراء مبررات واهية: قلة الميزانية، أعطاب تقنية، أو حتى خطاب “ترشيد الماء” في زمن الجفاف، لكن الحقيقة أن ما انطفأ ليس الماء وحده، بل جزء من روح المدينة وصورتها. فالمجالس التي تعجز عن صيانة التفاصيل الصغيرة، هي ذاتها التي تفشل في الملفات الكبرى.
إن النافورات ليست ترفًا حضريًا، بل جزء من جمالية المدينة ورمز لكرامتها أمام ساكنتها وزوارها. توقفها يفضح هشاشة الحكامة المحلية، ويكشف أن من يدير الشأن العام لا يرى في الجمال قيمة، ولا في الرمزية معنى.
في النهاية، قد تُطفأ النافورات، لكن لا يمكن إطفاء الأسئلة: لماذا عجز المجلس عن إعادة تشغيلها؟ ولماذا حُرم المواطن من هذا الحق البسيط في مدينة جميلة؟
فاس، التي أنجبت الحضارة من ضفاف عيونها، تستحق أكثر من مجلس يُطفئ رموزها بدل أن يحييها.

