أشرف أولاد الفقيه
ينص الفصل 46 من دستور المملكة المغربية على أن «شخص الملك لا تنتهك حرمته، وللملك واجب التوقير والاحترام».
هذا النص ليس مجرد جملة قانونية جامدة، بل أساس فلسفة الدولة المغربية التي تجعل من المؤسسة الملكية ركيزة للوحدة والشرعية والاستقرار. فالاحترام الواجب لشخص الملك هو احترام للدولة، ولمؤسساتها، ولتاريخها الذي تشكل عبر قرون من التلاحم بين العرش والشعب.
لكن في زمن الفضاء الرقمي، حيث تختلط النوايا بالنزعات، برزت في الآونة الأخيرة رسالة منسوبة إلى بعض النشطاء بدعوى تمثيل ما سمي بـ«حراك جيل زد». رسالة اختارت أسلوبا صداميا، خاطبت الملك بلغة الأوامر والتعليمات، وتجاوزت حدود اللياقة السياسية والدستورية، متناسية أن الخطاب الموجه للمؤسسة الملكية محكوم بثقافة التوقير، لا بثقافة التحدي.
ما يثير القلق ليس مضمون بعض المطالب الاجتماعية الواردة في الرسالة، فالكثير منها مشروع ومفهوم في سياق الغلاء والبطالة وقلق المستقبل، بل الأسلوب الذي صيغت به، والذي يعكس محاولة مكشوفة للسطو على وعي الشباب واستعماله كورقة ضغط سياسية.
جيل زد الحقيقي، الذي يعيش اليوم واقع التحول الرقمي والعولمة، لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه أو يوجه رسائل نيابة عنه، بل إلى من يصغي إليه بصدق، داخل المؤسسات، لا من خارجها.
لقد حاول أصحاب الرسالة تقديم أنفسهم كصوت الشباب، لكنهم وقعوا في فخ التحدث بلغة الوصاية، موجهين تعليمات لجلالة الملك كما لو أن مؤسسة العرش طرف في النقاش السياسي اليومي. وهذا انزلاق خطير، لأنه يمس جوهر العلاقة التي حددها الدستور بين الملك والمجتمع، والتي تقوم على الاحترام المتبادل والسمو الرمزي.
الفصل 46 من الدستور لم يكتب عبثا؛ بل جاء ليحمي هيبة الدولة من الفوضى الخطابية، ويصون رمزيتها من أي توظيف سياسي أو إعلامي. احترام شخص الملك هو احترام للنظام العام، وللتوازن الذي يجعل المغرب مختلفا عن تجارب كثيرة انهارت حين تجرأت على رموزها المؤسسة.
جيل زد يستحق أن يستمع إليه، لكن من خلال قنوات دستورية ومسؤولة، لا من خلال مبادرات فردية تلبس نفسها لباس النضال وهي في العمق محاولات تسييس مغلفة بخطاب شبابي.
فالاحتجاج حق، والنقد مشروع، لكن السطو على وعي الشباب جريمة أخلاقية، وتجاوز الدستور باسم الحرية خلط خطير بين الإصلاح والهدم.
لقد كان المغرب، عبر تاريخه الحديث، يستوعب كل الحركات الاجتماعية داخل إطار من الاحترام والثقة المتبادلة بين الشعب ومؤسسته الملكية. وكل خروج عن هذا الإطار، مهما تزين بشعارات الحرية، يهدد جوهر التوازن المغربي القائم على الوفاء المتبادل بين العرش والشعب.
إن من أراد أن يخدم الشباب حقا، فليحاور الدولة لا أن يتحدى رموزها، وليقرأ الدستور لا أن يتجاوزه، وليتحدث بلغة الإصلاح لا بلغة التعليمات.
أما الملك، فمكانته ليست موضوع نقاش، لأنها الضمانة الدستورية والأخلاقية لاستمرار الوطن ذاته.

