فاس : محمد غفغوف
تشهد مدينة فاس في السنوات الأخيرة انتشارًا مقلقًا للكلاب الضالة في شوارعها وأزقتها، حتى أصبح وجودها مشهدًا يوميًا مألوفًا يثير الخوف والشفقة في آنٍ واحد. فمن حي بنسودة إلى زواغة، ومن طريق صفرو إلى حي السعادة، تتجول مجموعات من الكلاب بحرية، دون رقيب أو تدخل فعلي من الجهات المسؤولة، وكأن الأمر لا يعني أحدًا.
هذه الظاهرة لم تعد مجرد مظهر من مظاهر الإهمال، بل تحولت إلى خطر حقيقي يهدد أمن وسلامة المواطنين. فالكثير من الأطفال والنساء يعيشون حالة من الرعب الدائم، خصوصًا في الصباح الباكر أو عند حلول المساء، حين تحتل الكلاب الأرصفة وتحيط بمداخل الأحياء. أما المخاطر الصحية فهي أكبر مما يُتخيّل، إذ يشكل انتشار الكلاب غير الملقحة أرضية خصبة لانتقال داء السعار وغيره من الأمراض الجلدية والطفيليات التي تنقلها الحيوانات المهملة.
وإلى جانب البعد الصحي، هناك الجانب الاجتماعي والنفسي، إذ يشعر المواطن الفاسي بأن مدينته تُركت لتتدبر أمرها وسط فوضى عمرانية وبشرية وبيئية خانقة. الكلاب الضالة في فاس ليست مجرد حيوانات تبحث عن الطعام، بل هي مرآة لسياسات جماعية فاشلة، وعنوان صارخ لتقاعس المصالح البيطرية والجماعية عن أداء واجبها في التلقيح والتعقيم والإيواء.
الغريب أن كل النقاشات حول الموضوع تنتهي إلى وعود لا تُنفذ، وحملات موسمية لا تصمد أكثر من أيام. والنتيجة أن الظاهرة تتفاقم، وأن الإحساس بالأمان يتراجع. فكيف لمدينة تاريخية، تُلقب بالعاصمة العلمية، أن تعجز عن وضع حد لمشكل بسيط في ظاهره، معقد في جوهره؟ أليس من المخجل أن يتحول الخوف من الكلاب الضالة إلى جزء من الحياة اليومية لسكان فاس؟
المطلوب اليوم ليس مجرد حملة ظرفية، بل رؤية حقيقية تشاركية تنخرط فيها الجماعة الحضرية، السلطات المحلية، الجمعيات، والبيطريون، وفق مقاربة إنسانية وفعالة تحمي الإنسان والحيوان في الوقت نفسه. فترك الشوارع تحت رحمة الكلاب الضالة ليس فقط تقصيرًا في المسؤولية، بل هو شكل من أشكال الإهمال الذي يفقد المواطن ثقته في قدرة مؤسساته على ضمان أبسط حقوقه: الأمن في مدينته.

