فاس : محمد غفغوف
في قلب المدينة العتيقة لفاس، حيث الأزقة الضيقة تنسج حكايات التاريخ، وحيث تتنفس الجدران عبق الأندلس والمغرب العميق، يقف رياض الأرابيسك شامخًا كتحفة معمارية تنتمي إلى زمن الجمال الأصيل، ليس مجرد فضاء للإقامة، بل بيت للذاكرة، وللذوق، وللروح.
يُعيد رياض الأرابيسك تعريف مفهوم السياحة الثقافية والفنية في مدينة فاس، إذ جمع بين جمال العمارة التقليدية ودفء الضيافة المغربية من جهة، وبين حيوية الإبداع المعاصر من جهة أخرى.. هنا لا يأتي الزائر للنوم فقط، بل ليعيش تجربة متكاملة: يستيقظ على نغمات الموسيقى الأندلسية، ويتأمل زخارف الجبص والخشب المنقوش، ويشارك في لقاءات فكرية وفنية تُعيد للثقافة المغربية مكانتها الطبيعية في المشهد السياحي.

في أمسيات الأرابيسك، تختلط اللغات واللهجات، وتتعانق الأوتار والكلمات، فالفنان إلى جوار الكاتب، والرياضي قرب الشاعر، والسائح الأجنبي يصغي بدهشة إلى مغاربة يحكون عن تراثهم بعيون المحبة والفخر.. إنها لقاءات مفتوحة يحتضنها الفضاء باستمرار، ويقودها برؤية متفردة المنعش السياحي خالد بنعمور، الرجل الذي آمن أن السياحة ليست تجارة في الغرف، بل مشروع حضاري يعيد الاعتبار للإنسان والمكان.

وبابتسامته الهادئة ونظرته الثاقبة، يستقبل خالد بنعمور ضيوف الرياض كما لو كانوا أصدقاء قدامى، خبر الرجل أسرار الضيافة الفاسية منذ شبابه، وتمرّس على إدارة الفضاءات التراثية بفهم عميق لقيمة الأصالة، لكنه لم يتوقف عند حدود التسيير الكلاسيكي، بل جعل من الرياض منصةً للتلاقي الإنساني، وجسرا بين الثقافات.
بفضله، صار رياض الأرابيسك عنوانًا لعدد من المبادرات الثقافية والرياضية الراقية: أمسيات شعرية، معارض للفنون التشكيلية، لقاءات مع رواد الفكر والمجتمع المدني، واستضافات مميزة لوجوه رياضية تركت بصمتها في تاريخ المغرب، تلك اللقاءات لا تُنظم بروح المناسباتية، بل تنبع من قناعة عميقة بأن فاس، المدينة التي أنجبت العلماء والفنانين، يجب أن تبقى حاضنةً للإبداع والحوار.

وفي وقتٍ تعاني فيه السياحة المغربية من الحاجة إلى روح جديدة، يقدم رياض الأرابيسك نموذجًا حيًا للتجديد المسؤول. فهو لا يكتفي بالترويج لجمال المعمار والضيافة، بل يستثمر في الإنسان، ويحتفي بالمواهب، ويمنح للفكر والفن مكانًا بين جدرانٍ تنطق بتاريخ سبعة قرون.
وقد يغادر الزائر فاسَ وهو يحمل صورًا من الزليج والنقوش، لكنه سيغادر الأرابيسك وهو محمّل بمشاعر الدهشة والانتماء، بفضل رؤية خالد بنعمور الذي جعل من السياحة فعل حب، ومن الضيافة رسالة ثقافية راقية.

