بقلم : محمد غفغوف
تئن فاس منذ زمن طويل.
مدينة التاريخ والعلم والروح، تحوّلت في العقود الأخيرة إلى جسد متعب، تهاجمه أمراض الإهمال، وتنهشه آلام الفوضى، وتخنق أنفاسه بيروقراطية عاجزة عن التشخيص والعلاج. فاس اليوم مريضة، تحتاج إلى طبيب يفهم نبضها، ويقرأ تقاريرها القديمة، ويعرف بالضبط أين يكمن الورم، وكيف يمكن استئصاله دون أن تموت المدينة على طاولة العملية.
ولعلّ القدر وحده هو من اختار أن يكون واليها الجديد بروفيسورًا في الطب قبل أن يكون مسؤولًا في الإدارة.
فمن قاعات الجراحة في المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس، حيث مارس خالد آيت طالب مهنته بشغف الطبيب وإنسانية المصلح، إلى كرسي الولاية على جهة فاس – مكناس، ينتقل الرجل من علاج الأجساد إلى محاولة إنعاش مدينة بأكملها.
ولن يكون ذلك سهلًا، لأن فاس ليست مجرد مدينة، بل ملفّ ضخم من التناقضات، يحتاج إلى عين خبير وسكّين حاسم في الوقت نفسه.
فاس اليوم تتألم في صمت.
أحياؤها الشعبية تئن من البطالة والهشاشة، وأسواقها تغرق في العشوائية، ومجالها الحضري يعاني من اختناق تنموي واضح، فيما تراجع إشعاعها العلمي والثقافي أمام مدن صاعدة اقتنصت الضوء والاهتمام.
المستثمر يهرب من فاس، والمثقف يشعر بالخذلان، والمواطن يعيش يومه في انتظار إصلاح طال أمده.
من يعرف تفاصيل هذه المدينة، يعرف أن فاس لا تحتاج إلى والي إداري فحسب، بل إلى جراح متمرس، يدرك أن التشخيص الحقيقي يبدأ بالاستماع، وأن الإصلاح لا يُدار بالمساطر، بل بالقلب والعقل والجرأة.
وخالد آيت طالب، الذي عرف أروقة فاس ومؤسساتها الصحية عن قرب، يعرف جيدًا أوجاعها المزمنة: سوء الحكامة، غياب الرؤية، وتراكم الجراح الصغيرة التي صارت اليوم نزيفًا مفتوحًا في وجه التنمية.
الثقة الملكية السامية التي حملته إلى هذا المنصب، هي في عمقها وصفة علاج أولى لمدينة فقدت جزءًا من مناعتها، وأمل ساكنتها أن يكون الوالي الجديد قادرًا على فك شيفرة وجعها، وتحريرها من رتابة الشكوى.
فاس لا تحتاج إلى مسكّنات ظرفية، بل إلى عملية جراحية دقيقة، قد تكون مؤلمة، لكنها وحدها الكفيلة بإعادة الحياة إلى هذا الجسد العريق.
ولعل الطبيب الذي جرّب مشرط الجراحة وعاش معاناة المرضى، هو الأقدر على لمس الجرح دون أن يزيده نزفًا.
فهل ينجح البروفيسور خالد آيت طالب في إعادة النبض إلى مدينة وُلدت لتكون قلب المغرب النابض؟
سؤال مفتوح… والعملية لم تبدأ بعد.

