بقلم : محمد غفغوف
من يتأمل في المشهد السياسي داخل جماعة فاس اليوم، يدرك أن الأزمة أعمق من مجرد صراع حول التدبير اليومي أو ضعف في الأداء الإداري، فالقصة الحقيقية هي أن العمدة لم يعد يقود فريقًا منسجمًا كما كان يُفترض، بل أصبح أشبه بربان سفينة تُركت له دفتها في بحر متلاطم الأمواج، بينما الطاقم إمّا غائب، أو يتهيأ للقفز نحو قارب انتخابي جديد.
منذ تشكيل الأغلبية المسيرة، لم تنجح مكوناتها في الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل أو التنسيق، فبعد الضجيج الذي رافق ميلاد التحالف، ساد صمت طويل لم يُكسره سوى الخلافات الصامتة والانسحابات غير المعلنة.. أحزابٌ فضّلت الانزواء، وأخرى انسحبت ميدانيًا وإن لم تُعلن ذلك رسميًا، لتتحول الأغلبية إلى كيان رمزي بلا روح سياسية، وبلا مشروع جامع.
لكن ما يثير الاستغراب أكثر هو هذا “العودة المفاجئة” لبعض الوجوه التي غابت طويلاً، ثم ظهرت فجأة وهي ترتدي عباءة المعارض الحادّ، تلقي باللوم كله على العمدة وحده، وكأنها لم تكن يوماً جزءًا من التحالف ولا شريكة في الوعود والقرارات. هؤلاء الذين يستعدون مبكرًا للانتخابات المقبلة، وجدوا في ضعف التواصل، والاحتقان الشعبي، فرصة لتبرئة ذمتهم وإعادة رسم صورتهم أمام الناخبين، متناسين أن التاريخ السياسي لا ينسى الشراكة ولا التواطؤ بالصمت.
وفي المقابل، لا يمكن أيضًا إعفاء العمدة عبدالسلام البقالي من مسؤوليته المباشرة، خصوصًا في الجانب المتعلق بالتواصل داخل المجلس ومع الرأي العام المحلي، فالتدبير الجماعي لا يقوم فقط على اتخاذ القرارات، بل على شرحها وتوضيح خلفياتها وكسب ثقة الناس حولها، غياب هذه الدينامية جعل العمدة في الواجهة وحيدًا، يتلقى كل السهام التي وُجهت — عن حق أو عن باطل — إلى المجلس بأكمله.
لقد فشل المجلس الجماعي في بناء سردية تواصلية واضحة مع الساكنة، كما فشل في ترميم الثقة بين مكونات الأغلبية نفسها، والنتيجة: مجلس مشتت، قرارات بطيئة، ومواطنون فقدوا الأمل في أن تكون “الأغلبية” فعلًا أغلبية تخدم المدينة لا واجهة انتخابية عابرة.
فاس، بتاريخها العريق ومكانتها الرمزية، تستحق أكثر من هذا العبث السياسي، كما تحتاج إلى إرادة صادقة، وإلى نخب تفهم أن تدبير المدينة ليس مغنمًا انتخابيًا بل التزامًا أخلاقيًا أمام الناس والتاريخ، أما أن يتحول المجلس إلى حلبة لتصفية الحسابات واستباق الحملات، فذلك عنوان لفشل جماعي لا يُنقذه تعليق المسؤولية على شخص واحد.
في النهاية، سيبقى السؤال مفتوحًا:
هل يمكن إنقاذ ما تبقى من الولاية، إذا اختار الجميع — بما فيهم العمدة — أن يراجعوا أنفسهم قبل أن يراجعهم الناخبون؟

