الرباط : المغرب360
في لحظة مكتنزة بالدلالات التاريخية، وقف الملك محمد السادس ليخاطب الشعب المغربي بكلمات هادئة في نبرتها، صلبة في مضمونها، مستندًا إلى الآية القرآنية «إنا فتحنا لك فتحا مبينا» ليفتح بوابة فصل جديد في ملف الصحراء المغربية. لم يكن الخطاب خطاب احتفال فقط، بل إعلان دخول زمن سياسي جديد، عنوانه اليقين في المشروعية، وترسيخ السيادة، وطي صفحة نزاع استغرق نصف قرن من العمل والتضحيات.
الخطاب جاء بملامح قائد يدرك أن لحظات التحول تحتاج إلى لغة الواثق لا لغة المنتصر المتعالي. فالمسار لم يكن طفرة ولا مفاجأة، بل كان نتيجة سياسة النفس الطويل، واحترام الشرعية الدولية، وإقناع العالم بالعدالة التاريخية والسياسية لمبادرة الحكم الذاتي. ومن هذا المنطلق، بدا الملك وهو يعلن أن هناك ما قبل 31 أكتوبر 2025 وما بعدها، كمن يضع فاصلاً واضحًا بين مرحلة الدفاع ومرحلة التثبيت والبناء على أساس الاعتراف الدولي الحاسم.
توقف العاهل المغربي عند رمزية التاريخ، حيث يتقاطع عبق المسيرة الخضراء مع ذكرى استقلال الوطن، لتتشكل ثلاثية السيادة والوحدة والدولة الوطنية الحديثة. ومن خلالها، أكد أن زمن التشكيك انتهى، وأن المغرب الموحد من طنجة إلى لكويرة حقيقة راسخة لا مجال للتطاول عليها ولا للمزايدة بشأنها، مستندًا إلى دعم أممي واسع ومواقف قوى عالمية كبرى أعلنت مساندتها الواضحة لمغربية الصحراء وتشجيعها للاستثمار في أقاليمها الجنوبية.
وإذا كان الخطاب قد حمل حمولة سياسية صريحة، فإنه حمل أيضًا رسالة معنوية موجهة إلى الداخل: المغرب اليوم يقف على عتبة جيل جديد من تدبير ملف الصحراء، يقوم على التحصين التنموي والدبلوماسي بدل الاكتفاء بالمرافعة الدفاعية. هو خطاب يدعو المغاربة إلى الوعي بحجم اللحظة والتحضير لمرحلة تثبيت المكتسبات، وبناء نموذج القوة الإقليمية والاستقرار المستدام.
لقد تحدث الملك بلغة المستقبل، واضعًا المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، ومؤكّدًا أن المبادئ والمؤسسات الدولية لم تعد مجالًا لتجاذب مفتعل، بل فضاء لترجمة الحق إلى قرار، والقرار إلى واقع. وهنا بدا الخطاب بمثابة وثيقة مرجعية تؤسس لمرحلة «الحسم الأممي» وتطالب بانتقال نوعي في التعاطي مع الملف وفق مقتضيات الشرعية الدولية وحقوق المغرب التاريخية.
في خطاب الملك محمد السادس هذه المرة، لم يكن المغرب يطالب، بل يعلن. لم يكن يبرهن، بل يرسّخ. لم يكن يرفع شعارًا، بل يكتب فصلًا جديدًا في سيرته كدولة راسخة وقضية عادلة. إنه خطاب أمة تتقدم بهدوء وثقة نحو استكمال وحدتها الترابية، مطمئنة إلى شرعيتها، وإلى عزيمة شعبها، وإلى إيمانها بأن الصحراء ليست ملفًا سياسيًا، بل عمقًا ووجودًا وجزءًا من روح هذا الوطن.

