القسم الرياضي : محمد غفغوف
في لحظة مفصلية من تاريخ أحد أعرق الأندية الوطنية، اختار المغرب الرياضي الفاسي أن يخرج نهائيًا من منطق التدبير المؤقت إلى أفق البناء الاستراتيجي طويل النفس. مساء الأحد 14 دجنبر بمدينة فاس، لم يكن الجمع العام غير العادي مجرد إجراء قانوني، بل كان إعلانًا صريحًا عن انتقال “الماص” إلى مرحلة جديدة عنوانها الوضوح، الجرأة في القرار، واستعادة الثقة في المشروع الرياضي والمؤسساتي، بعد سنوات من الاضطراب وسوء التدبير وتراكم الملفات الثقيلة.
وصادقت جمعية المغرب الرياضي الفاسي لكرة القدم، مساء أمس الأحد 14 دجنبر، خلال جمعها العام غير العادي المنعقد بمدينة فاس، على الرفع من رأسمال الشركة الرياضية للفريق إلى 200 مليون درهم، بعدما كان محددًا في 10 ملايين درهم فقط، في خطوة وُصفت بالتحول النوعي في المسار المالي والاستثماري للنادي.

وشهد الجمع العام، الذي حضره 34 منخرطًا من أصل 50، إجماعًا على تفويض محمد بوزوبع، رئيس الجمعية، صلاحية قبول طلبات المساهمين الجدد بالشركة الرياضية، وفق ما يخدم المصلحة العليا للفريق ويحافظ على توازن المشروع الرياضي والاستثماري، مع التأكيد على أن الحد الأدنى لمساهمة أي مستثمر لن يقل عن 3 ملايين درهم.
وفي قرار ذي دلالات قوية، صادق المنخرطون على عدم تحويل مبلغ 25 مليون درهم، المسجل كدين لفائدة الرئيس السابق إسماعيل الجامعي، إلى أسهم تُضاف لرأسمال الشركة، مع الإبقاء على هذا الملف خارج منطق الرسملة، في انتظار تسويته وفق المساطر القانونية والمؤسساتية المعمول بها.

كما وافق الجمع العام بالإجماع على تمديد مدة اتفاقية الشراكة بين الجمعية والشركة الرياضية إلى 10 سنوات، بعدما كان من المرتقب أن تنتهي سنة 2028، وذلك من أجل مواكبة مرحلة الرفع من رأسمال الشركة، وخلق مناخ ملائم لولوج مستثمرين جدد على أسس واضحة ومستقرة.
وفي كلمة له بالمناسبة، عبّر محمد بوزوبع عن سعادته الكبيرة بحالة التوافق والانسجام التي طبعت أشغال الجمع العام، معتبرًا أن هذا المناخ الإيجابي بين الجمعية والشركة انعكس بشكل مباشر على جودة التواصل داخل الفريق، داعيًا المنخرطين إلى تثمين هذا المكسب والحفاظ عليه حتى يتمكن “النمر الأصفر” من تحقيق نتائج مشرفة وبناء مستقبل يليق بتاريخه وجماهيره.

من جهته، أكد عمر بنيس، رئيس الشركة الرياضية، أن قرار الرفع من رأسمال الشركة جاء عقب دراسة معمقة أشرف عليها مكتبان متخصصان، تم خلالها الوقوف على نموذج الرجاء الرياضي كنموذج مرجعي في تثمين الموارد وجلب الاستثمارات، مشيرًا إلى أن الهدف هو إتاحة الفرصة لمساهمين جدد للانخراط في المشروع الاستثماري على أسس واضحة وحكامة حديثة.
وكشف بنيس أن الشركة الرياضية أنجزت عملية تدقيق أولية أفضت إلى تقرير وصفه بـ”الكارثي”، معلنًا في الآن ذاته عن تدقيق شامل مرتقب سيطال جمعية المغرب الفاسي لكرة القدم خلال الأسابيع القليلة المقبلة، في إطار سياسة القطع مع ممارسات الماضي وترسيخ الشفافية.
وفي ما يخص ملف مبلغ 25 مليون درهم، أوضح المتحدث أن الشركة توصلت، قبل حوالي ثلاثة أسابيع، برسالة من الرئيس السابق يطالب فيها باسترجاع المبلغ، وذلك بعد إعادة ملكية القطعة الأرضية المخصصة لبناء أكاديمية الفريق من الشركة إلى الجمعية، في خطوة تهدف إلى تحصين الأصول الاستراتيجية للنادي.
وتضمن جدول أعمال الجمع العام عددًا من النقاط الجوهرية، أبرزها إعادة توثيق الوعاء العقاري الخاص بالأكاديمية باسم الجمعية، استرجاع المقصف، تسوية ملفات الضرائب والضمان الاجتماعي، حل كافة النزاعات الرياضية، وتسوية ما يقارب 80 في المائة من النزاعات المدنية، إضافة إلى إعادة تقييم جمعية المغرب الفاسي من طرف مكتبين دوليين متخصصين، وإعادة أغلبية الأسهم للجمعية وتحيين جدولة الأسهم.
يُذكر أن جمعية المغرب الفاسي كانت تمتلك 98 في المائة من أسهم الشركة الرياضية قبل عملية الرفع من رأسمالها، فيما سيتم تخصيص ما يناهز 119 مليون درهم من الرأسمال الجديد لفتح الباب أمام مساهمين جدد، في أفق بناء شركة قوية ومستقرة ماليًا.
ويأتي هذا التحول بعد الجمع العام العادي المنعقد في 10 غشت الماضي، الذي أفرز انتخاب محمد بوزوبع رئيسًا جديدًا للجمعية خلفًا لإسماعيل الجامعي، في محطة شكلت بداية مسار تصحيحي تُوّج اليوم بقرارات تؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ المغرب الفاسي.
ما جرى بفاس لم يكن مجرد رفع لرأسمال شركة، بل إعادة صياغة لهوية الماص التدبيرية، ورسالة واضحة بأن زمن العشوائية قد ولى، وأن “النمر الأصفر” دخل مرحلة البناء الهادئ، القائم على الحكامة، الجرأة، وربط الاستثمار بالمحاسبة.

