بقلم : محمد غفغوف
في زمنٍ اختلط فيه الخبر بالإشاعة، والرأي بالتشهير، والمعلومة بالتفاهة، خرج الدكتور محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية والنائب البرلماني باسمه، بتدخلٍ جريء أعاد بعضًا من الاعتبار للكلمة، ووضع الأصبع على جرحٍ يتسع يومًا بعد آخر: جرح “فراقشية الإعلام” الذين حولوا مهنة المتاعب إلى مهنة المتاجرة في الأعراض، والضرب في القيم، والارتزاق من التفاهة.
لم يكن تدخل أوزين عادياً، ولا خطاباً للاستهلاك السياسي السريع. كان صريحاً إلى حد الإزعاج، مباشراً إلى درجة الصدمة، حين سمّى الأشياء بأسمائها، وفضح من جعلوا من بعض المنصات والمواقع واجهات للابتزاز المعنوي، ونشر الرداءة، وتصفية الحسابات تحت غطاء “حرية التعبير” التي يُساء إليها أكثر مما تُحترم.
قال أوزين ما يهمس به المواطن المغربي في المقاهي والبيوت ووسائل النقل: لقد سئم الناس من إعلام يقتات على الفضائح، ويستثمر في الانحطاط، ويضرب في أعراض الناس دون حسيب أو رقيب، إعلامٍ لا يرى في الوطن إلا مادةً للإساءة، ولا في الهوية المغربية إلا هدفاً للتشويه، ولا في القيم إلا عائقاً أمام نسب المشاهدات و”اللايكات”.
الأهم في تدخل أوزين، أنه لم يكتفِ بالنقد الأخلاقي، بل ربط بين هذا الانفلات الإعلامي وبين الريع بمختلف أشكاله: ريع التفاهة، ريع الابتزاز، وريع استهداف الثوابت والهوية مقابل المال أو الشهرة. وهو ربطٌ وجده المغاربة منطقياً، لأنهم يرون يومياً كيف يتحول البعض من “صانعي محتوى” إلى مقاولين في الهدم الرمزي، بلا ضمير مهني ولا حس وطني.
ليس غريباً إذن أن يلقى هذا التدخل صدى واسعاً في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، وأن ترتفع شعبية أوزين وسط فئات عريضة من الشعب المغربي، لا لأنه قال كلاماً شعبوياً، بل لأنه عبّر بجرأة عن غضبٍ جماعي مكتوم، وعن رغبة حقيقية في استعادة إعلام يحترم نفسه ويحترم الناس.
لقد أعاد أوزين، في لحظة سياسية وإعلامية مرتبكة، فتح النقاش حول حدود الحرية، ومسؤولية الكلمة، ودور الإعلام في حماية المجتمع لا تسميمه. والأهم، أنه ذكّر بأن الدفاع عن القيم والهوية ليس رجعية، بل شرط أساسي لبناء مجتمع سليم.
قد يختلف البعض مع أوزين سياسياً، وقد يتفق أو يختلف معه في اختياراته، لكن كثيرين اتفقوا هذه المرة على شيء واحد: الرجل قال الحقيقة بصوتٍ عالٍ، في وقتٍ اختار فيه آخرون الصمت، أو التواطؤ، أو الاختباء خلف شعارات فارغة.
وهي، في نهاية المطاف، لحظة تستحق أن تُسجل لا في أرشيف السياسة فقط، بل في ذاكرة النقاش العمومي حول إعلامٍ نريده حرًّا… نعم، لكن أيضاً نظيفاً، مسؤولاً، ومغربياً في قيمه قبل عناوينه.

