بقلم : محمد غفغوف
تحتضن مدينة فاس، وفق بلاغ رسمي لوزارة الشباب والثقافة والتواصل، الدورة التاسعة من المهرجان الوطني لفنون الشارع، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، في موعد ثقافي وطني يفترض فيه أن يشكل لحظة تواصل وانفتاح ونقاش عمومي حول فن له خصوصيته ورهاناته. بلاغ غني بالمضامين، واسع في الوعود، يتحدث عن تنوع فني، ودعم للإبداع، وترسيخ لثقافة القرب، وتنشيط للحياة الثقافية بالعاصمة العلمية.
البلاغ يعدد الأهداف ويُسهب في وصف البرمجة، من فنون الحلقة والسيرك والحكي، إلى الفنون الحضرية المعاصرة، مرورا بالمعارض التشكيلية والجداريات، في صورة تبدو متكاملة ومطمئنة لكل من يقرأها. غير أن البلاغ، في حد ذاته، يصبح موضوعًا للنقاش حين يتحول إلى المصدر الوحيد للمعلومة، وحين يغيب ما يفترض أن يرافق حدثًا وطنيًا من هذا الحجم: النقاش المباشر، والتوضيح، والتفاعل مع الأسئلة المشروعة.
فمهرجان وطني لفنون الشارع، في دورته التاسعة، وتحت رعاية سامية، كان من الطبيعي أن تُخصص له ندوة صحفية تليق بمكانته، تُعرض فيها فلسفة الدورة، ومعايير البرمجة، واختيارات الفضاءات، خاصة وأن البلاغ نفسه يشير إلى أن أغلب العروض ستُحتضن داخل قاعات ودور شباب، لأسباب مرتبطة بالظروف الجوية. اختيار مفهوم تنظيميًا، لكنه يفتح باب التساؤل فنيًا وثقافيًا، وهو باب لا يُغلق ببلاغ مهما كان دقيقًا.
الشارع، في هذا النوع من الفنون، ليس مجرد اسم أو توصيف، بل هو روح وسياق وتفاعل حي. وعندما يُنقل الشارع إلى القاعة، يصبح النقاش حول التوقيت، والمكان، والبدائل الممكنة، نقاشًا ضروريًا لا ترفًا إعلاميًا. هنا بالضبط، كان يفترض بالندوة الصحفية أن تكون فضاءً لتقديم الأجوبة، لا أن يُترك المتتبع ليستنتج وحده، أو يقرأ ما بين السطور.
ثم إن الحديث المتكرر عن دعم الطاقات الشابة والانفتاح على مختلف التجارب، يستدعي بدوره توضيحًا أكبر حول معايير الاختيار، وحول كيفية تدبير الطلبات المقدمة من الفرق، خاصة تلك التي تشتغل منذ سنوات في فنون الشارع والحلقة. فغياب التواصل لا يخدم صورة المهرجان، ولا يعزز الثقة، ولا ينسجم مع روح ثقافة القرب التي يتحدث عنها البلاغ.
الحديث عن البلاغ، إذن، ليس تشكيكًا فيه، بل دعوة إلى استكماله بما يلزم من توضيح وحوار. فالثقافة لا تُدار فقط بالنصوص والبيانات، بل تُبنى أيضًا بالإصغاء، وبالقدرة على فتح النقاش في الوقت المناسب. ومهرجان وطني من هذا الحجم، في مدينة بحجم فاس، يستحق أكثر من بلاغ… يستحق أن يُشرح، ويُناقش، ويُسائل، حتى يظل الشارع حاضرًا، لا عنوانًا فقط.

