بقلم : محمد غفغوف
بين عام يهمّ بالمغادرة وعام يستعد للدخول، تجد فاس نفسها أمام مفترق دقيق، ليس فقط زمنياً، بل سياسيًا أيضًا. فنحن مقبلون على سنة انتخابية، وهي لحظة لا تقاس بعدد الوعود التي ستُطلق، بل بمدى قدرة المدينة على تحويل الانتظارات المتراكمة إلى أسئلة محرجة للفاعلين السياسيين.
فاس، التي تعبت من المواسم الانتخابية العابرة، لا تنتظر من العام القادم خطبًا رنانة، ولا صورًا دعائية، بقدر ما تنتظر وضوحًا في الرؤية، وصدقًا في الالتزام، واحترامًا لعقل المواطن. المدينة تعرف نفسها جيدًا، وتعرف من خدمها ومن تذكرها فقط عند اقتراب صناديق الاقتراع.
التفاؤل بالمستقبل هنا ليس ترفًا، بل ضرورة. لأن اليأس هو أكبر هدية يمكن أن تقدمها مدينة بحجم فاس للسياسة الرديئة. التفاؤل يعني أن نطالب أكثر، وأن نرفع سقف المحاسبة، وأن نربط الوعود بسجلات الإنجاز لا بنوايا الخطابات.
العام الحالي كشف، بوضوح، أن فاس لا تعاني من الفقر في الأفكار، بل من ارتباك في ترتيب الأولويات. تعاني من مشاريع تتعثر، ومن فرص تضيع، ومن طاقات شبابية تُهدر، بينما تستحق المدينة أن تكون مختبرًا وطنيًا للتنمية الثقافية، والاقتصاد التراثي، والسياحة الذكية، والاستثمار في المعرفة.
أما العام القادم، وهو عام انتخابي بامتياز، فيمكن أن يكون فرصة لإعادة التعاقد السياسي مع فاس. تعاقد يقوم على سؤال بسيط: ماذا نريد للمدينة في خمس سنوات؟ لا ماذا نريد منها في موسم انتخابي.
فاس لا تحتاج مرشحين يحفظون مشاكلها عن ظهر قلب، بل تحتاج مسؤولين يحملون حلولًا قابلة للتنفيذ، ويمتلكون الشجاعة للاعتراف بما فشلوا فيه، قبل التباهي بما لم ينجزوه بعد.
وفي هذا السياق، يصبح التفاؤل موقفًا سياسيًا نبيلاً: تفاؤل يُحوّل الانتخابات من طقس عابر إلى لحظة وعي، ومن تنافس على المقاعد إلى تنافس على البرامج، ومن وعود موسمية إلى التزامات قابلة للمساءلة.
بين عام يودّع وآخر يُقبل، تستحق فاس أن تدخل سنتها الانتخابية مرفوعة الرأس، لا كمدينة تنتظر الصدقات، بل كمدينة تعرف وزنها التاريخي، وتطالب بمستقبل يليق به.
فاس، إن أحسنت الاختيار، يمكن أن تجعل من السنة الانتخابية القادمة بداية جديدة… لا مجرد رقم آخر في أرشيف الانتظارات المؤجلة.

