فاس : محمد غفغوف
ليست المصادقة على ميزانية جماعة فاس برسم سنة 2026، المحددة في 85 مليار سنتيم، مجرد إجراء إداري روتيني يُطوى مع نهاية السنة المالية، بل هي لحظة كاشفة لما بلغته المدينة من تحول في منطق تدبير المال العام، أو على الأقل في أرقامه.
الأهم في هذه القصة ليس رقم الميزانية في حد ذاته، بل ما سبقه وما يحيط به. فمداخيل الجماعة خلال سنة 2025 فاقت 96 مليار سنتيم، أي أكثر بـ11 مليارًا مما كان متوقعًا. رقم ثقيل الدلالة، لأنه يكشف أن المدينة كانت تملك هامشًا ماليًا لم يكن مُستثمرًا بالشكل الأمثل في سنوات سابقة، أو على الأقل لم يكن مُحصَّلًا كما ينبغي.
حين ترتفع مداخيل فاس من 75 مليار سنتيم سنة 2024 إلى أزيد من 96 مليارًا سنة 2025، فنحن لا نتحدث عن صدفة محاسباتية، بل عن تغيير في طريقة الاشتغال، وعن إدارة اكتشفت فجأة أن المال العام لا يُخلق فقط بالاستدانة، بل أيضًا بحسن التحصيل وربط الجباية بالواقع.
لكن، وهنا بيت القصيد، الأرقام وحدها لا تصنع تنمية. فميزانية تُوجَّه أساسًا لصيانة الكهرباء، والمساحات الخضراء، والدعم الاجتماعي، تظل ميزانية تدبير يومي، لا ميزانية قفزة تنموية. هي ضرورية، نعم، لكنها غير كافية لمدينة بحجم فاس، مدينة تختنق عمرانًا، وتتآكل اقتصاديًا، وتعيش مفارقة غريبة بين تاريخ عالمي وواقع محلي متعثر.
الفائض المالي المرتقب، والمقدر بـ11 مليار سنتيم، هو الاختبار الحقيقي. لأن الفائض ليس خبرًا جيدًا دائمًا، بل قد يكون دليلًا على غياب الجرأة في الاستثمار. السؤال الذي سيُحرج الجميع هو: أين سيذهب هذا الفائض؟
هل نحو مشاريع مهيكلة؟
أم نحو ترقيعات موسمية تُستهلك سياسيًا أكثر مما تُستثمر تنمويًا؟
ميزانية فاس اليوم تُحرج السياسة لأنها تُثبت أن الإمكانيات كانت موجودة، وأن جزءًا من الأزمة كان تدبيرًا لا قدرًا. وما ينتظره الفاسيون ليس بلاغات عن أرقام قياسية، بل أثرًا ملموسًا في الشارع، في النقل، في الفضاءات، في فرص الشغل، وفي كرامة العيش داخل مدينة تستحق أكثر من مجرد “توازنات مالية”.
في النهاية، المال حين لا يُحسن توجيهه، يتحول من فرصة إلى عبء، ومن إنجاز محاسباتي إلى فشل سياسي مؤجل.

