فاس : محمد غفغوف
لم تكن الفيديوهات التي خرجت من المجزرة الجماعية لمدينة فاس مجرد مشاهد مثيرة للصدمة، بل كانت جرس إنذار صحي مدوٍّ كشف للرأي العام حقيقة وضعٍ لم يعد يحتمل لا التأجيل ولا التبرير. ما ظهر في تلك المقاطع لا يمكن اختزاله في خطأ إداري أو سوء تقدير عابر، بل يعكس انهياراً فعلياً في شروط النظافة والسلامة داخل مرفق يُفترض أن يكون من أكثر مرافق المدينة خضوعاً للصرامة والمراقبة.
سواء قيل إن المدير أُعفي أو إنه طلب إعفاءه، وسواء دافع كل طرف عن نفسه أو عن حلفائه، فإن هذه المعركة الجانبية لا تغيّر من الحقيقة شيئاً:
المجزرة كانت في وضع كارثي، واللحم الذي يستهلكه المواطن مرّ عبر فضاء غير صالح صحياً.

وهنا تتوقف كل النقاشات الشخصية، ويبدأ السؤال الجوهري: من ترك هذا المرفق الحيوي يصل إلى هذا الدرك؟
القنوات المسدودة، النفايات المتراكمة، الروائح الخانقة، الكلاب الضالة داخل فضاءات الذبح… ليست تفاصيل تقنية، بل مؤشرات خطيرة على انهيار منظومة الوقاية الصحية. نحن أمام مؤسسة يفترض أن تحمي صحة الناس، فإذا بها تتحول إلى تهديد مباشر لها.
الجدل الدائر حول من أعفى من، ومن طلب الإعفاء، يعكس في العمق هروباً جماعياً من مواجهة المشكلة الحقيقية: كيف يُدبَّر هذا المرفق؟ من يراقبه؟ ما هي موارده؟ وكيف تُصرف؟ وأين هي لجان التتبع والمساءلة التي كان يجب أن تمنع وصول الوضع إلى هذه المرحلة قبل أن تفضحه كاميرات الهواتف؟
فاس لا تحتاج إلى تبادل روايات بين مسؤولين، بل إلى إجابات مؤسسية واضحة.

هل كانت وسائل الاشتغال متوفرة؟
وإن كانت، لماذا لم تُستعمل؟
وإن لم تكن، من يتحمل مسؤولية ترك المجزرة تشتغل في ظروف تهدد الصحة العامة؟
المدينة التي تحمل إرثاً علمياً وحضارياً لا يمكن أن تُدار مجازرها بمنطق الأعذار والتبريرات. الأمن الغذائي ليس ملفاً ثانوياً، بل خط أحمر، وكل خلل فيه هو خلل في وظيفة الدولة والجماعة معاً.
اليوم، وبعد أن تكلمت الفيديوهات بدل التقارير، لم يعد مقبولاً أن يُغلق الملف بإعفاء أو استقالة غامضة. المطلوب هو إصلاح جذري، تدقيق شفاف، ومحاسبة واضحة، لأن صحة سكان فاس لا يمكن أن تكون ضحية لعبة تبادل المسؤوليات.
فالقضية ليست من ذهب…
القضية أن ما يُذبح في مجزرة فاس يجب أن يكون آمناً، نظيفاً، وخاضعاً لرقابة حقيقية. وكل ما عدا ذلك تفاصيل للهروب من الحقيقة.

