المغرب360 : محمد غفغوف
ليس من عادتي الانخراط في معارك الأشخاص داخل الأحزاب، لكن حين يتحول النجاح إلى تهمة، والاجتهاد إلى مصدر إزعاج، يصبح الصمت تواطؤاً غير معلن مع الرداءة.
ما يتعرض له البرلماني خالد العجلي داخل بعض دوائر التجمع الوطني للأحرار بجهة فاس مكناس لا يمكن قراءته خارج منطق الصراع الكلاسيكي داخل الأحزاب: صراع بين من يشتغلون في الميدان، ومن يفضلون البقاء في الظل، يقتاتون على الإنزال والبوز والصور البروتوكولية.
الهجوم غير المباشر على العجلي لا علاقة له بالأداء البرلماني ولا بالحضور السياسي، بل سببه الحقيقي أن الرجل فرض نفسه كشخصية وازنة بالعاصمة العلمية في ظرف زمني وجيز، وتمكن من بناء علاقة مباشرة مع الساكنة، بعيدا عن الوساطة التنظيمية الفارغة التي لم تنتج سوى الصراعات الداخلية.

خالد العجلي، رغم حداثة تجربته السياسية، يعد اليوم من أنشط البرلمانيين التجمعيين الأربعة الممثلين لمدينة فاس بالغرفة الأولى، من حيث الحضور داخل البرلمان، والاشتغال داخل اللجان، والتفاعل مع القضايا المحلية، والانخراط في المبادرات المدنية والرياضية. وهذا ليس رأياً عاطفياً، بل واقع يمكن قياسه بالأرقام والمعطيات.
في المقابل، يطرح سؤال محرج داخل الحزب: ماذا قدم الآخرون؟ وأين هي التنظيمات المحلية؟ وأين هو الإطار الإقليمي المنصوص عليه في النظام الأساسي للحزب؟ ولماذا ظلت فاس، بكل وزنها السياسي والانتخابي، رهينة منسقين اثنين فشلا في تجديد الدم التنظيمي أو خلق بنية حزبية ديمقراطية حقيقية؟

المشكل الحقيقي ليس في خالد العجلي، بل في نموذج تدبير حزبي يخاف من التنظيم القوي، لأن التنظيم القوي يعني المحاسبة، والمحاسبة تعني سقوط الزعامات الورقية.
البعض داخل الحزب يفضل بقاء الوضع على ما هو عليه: لا فروع، لا مؤتمرات، لا قواعد، فقط أنشطة إشعاعية موسمية، حضور باهت بجانب الوزراء، وصور للذكرى… ثم انتظار التزكية من فوق.
خالد العجلي كسر هذه القاعدة غير المعلنة، ونزل إلى الأرض، واشتغل مع الناس، وبنى رصيدا شخصيا مستقلا عن الجهاز الحزبي، وهو ما يزعج من اعتادوا التحكم في الخريطة الانتخابية عبر الهاتف لا عبر الشارع.
لهذا ليس غريبا أن تتحول نجاحاته إلى مصدر قلق، وأن يبدأ التمهيد لإضعافه سياسياً، ليس لأنه فشل، بل لأنه نجح أكثر مما ينبغي، والواقع أن العجلي اليوم لم يعد رهين حزب بعينه، بل صار رقماً انتخابياً قائماً بذاته، قادراً على الفوز بمقعد برلماني سواء باسم التجمع الوطني للأحرار أو أي حزب آخر يتمنى التحاقه به.

وهنا بيت القصيد: الأحزاب التي تخسر أبناءها الناجحين، لا تعاني من مؤامرات، بل من أزمة داخلية في فهم معنى السياسة، فالسياسة ليست في الصور، ولا في الولائم التنظيمية، ولا في الولاء للأشخاص، بل في القدرة على تمثيل الناس والدفاع عن قضاياهم وصناعة الثقة.
وخالد العجلي، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا، نجح في هذا الامتحان. أما من يهاجمونه اليوم، فسيأتي وقت محاسبة حصيلتهم، وحينها لن تنفع لا الإنزالات ولا البلاغات ولا الصور الجماعية.

