المغرب360 : القسم الرياضي
مرة أخرى، تجد الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم نفسها في موقع الدفاع عن الشرعية الرياضية داخل منظومة قارية فقدت بوصلتها الأخلاقية والقانونية. فقرار استئناف العقوبات الصادرة عن لجنة الانضباط التابعة للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (الكاف) ليس مجرد رد فعل عاطفي أو خطوة انفعالية، بل هو تعبير واضح عن أزمة ثقة عميقة بين الكرة المغربية والمؤسسة القارية، التي باتت تتعامل بمنطق “التوازن السياسي” بدل منطق العدالة الرياضية.
الأحداث التي شهدها نهائي كأس أمم إفريقيا 2026 لم تكن عادية ولا يمكن اختزالها في “سلوك جماهيري” أو “توتر لحظي”. انسحاب منتخب السنغال من أرضية الملعب، واقتحام جماهيره للميدان، وتعطيل السير الطبيعي لمباراة نهائية يفترض أن تكون واجهة القارة الإفريقية أمام العالم، كلها وقائع خطيرة تمس جوهر المنافسة ونزاهتها، وتستدعي عقوبات رادعة لا مجرد غرامات مالية قابلة للاحتواء.
لكن ما حدث هو العكس تماماً: الكاف اختارت أسهل الطرق… توزيع العقوبات بالتساوي تقريباً بين الجاني والضحية، وكأن المنتخب المغربي كان شريكاً في الفوضى لا متضرراً منها.

الجامعة الملكية المغربية، في مراسلتها الصريحة والمباشرة، وضعت الكاف أمام مسؤوليتها القانونية والأخلاقية، مستندة إلى نصوص واضحة في لوائح البطولة (المادتان 82 و84)، التي تتحدث صراحة عن حالات الانسحاب والاقتحام باعتبارها خروقات جسيمة تمس سلامة المنافسة، وتستوجب عقوبات قد تصل إلى الإقصاء أو الحرمان من المشاركات القارية، لا الاكتفاء بغرامات مالية مهما بلغ حجمها.
أما على المستوى الفردي، فإن إيقاف أشرف حكيمي وإسماعيل صيباري بدا للكثيرين أقرب إلى “قرابين انضباطية” لتهدئة الرأي العام الإفريقي، أكثر منه قرارات مؤسسة على وقائع دامغة. فهل يعقل أن يُعاقَب لاعبون لم ينسحبوا ولم يقتحموا الملعب بنفس منطق العقاب الذي يُفترض أن يطال من فجروا الفوضى؟
المفارقة أن الكاف حاولت حفظ ماء الوجه عبر عقوبات ثقيلة ظاهرياً ضد الجانب السنغالي (إيقاف المدرب وتغريم الاتحاد)، لكنها في العمق تهربت من القرار الحقيقي: الاعتراف بأن ما وقع سابقة خطيرة تستوجب موقفاً حازماً يعيد الهيبة للقوانين، لا تدوير الأزمة في إطار تسويات سياسية.
استئناف الجامعة الملكية المغربية ليس دفاعاً عن مباراة أو لقب فقط، بل هو دفاع عن منطق جديد داخل إفريقيا:
منطق يقول إن كرة القدم ليست رهينة الحسابات الدبلوماسية، ولا مجال فيها لمنطق “ترضية الجميع”، لأن العدالة لا تُقاس بالتوازن بل بالحق.
في النهاية، الكاف اليوم ليست في مواجهة المغرب فقط، بل في مواجهة سؤال أكبر:
هل تريد مؤسسة تحكمها القوانين أم مؤسسة تحكمها الترضيات؟
وإن كانت أحداث 18 يناير قد أساءت لصورة الكرة الإفريقية، فإن طريقة تدبيرها تأديبياً أساءت أكثر… لأن الخلل لم يعد في المدرجات فقط، بل في مكاتب القرار نفسها.

