بقلم : محمد غفغوف
ليس كل من يقطع 42 كيلومتراً عدّاء، فبعضهم يقطع المسافة نفسها محمّلاً بالقيم، بالإصرار، وبحب لا يُقاس بالثواني. عبد الرحيم بورمضان، ابن فاس البار، واحد من أولئك الذين جعلوا من الماراثون أسلوب حياة، ومن الجري رسالة، ومن المدينة العتيقة عشقاً لا يشيخ.
وُلد عبد الرحيم يوم فاتح يناير 1978 بفاس، واختار منذ بداياته أن يصادق المسافات الطويلة، حتى صار اسمه حاضراً ضمن نخبة العدّائين المغاربة في سباق الماراثون، وحاملاً خامس أفضل توقيت في تاريخ الماراثون المغربي سنة 2012. رقمٌ لا يختزل المسار، لكنه يشهد على موهبة استثنائية وانضباط قلّ نظيره.
ورغم بلوغه 47 سنة، ما زال عبد الرحيم يصرّ على تحدي العمر قبل المنافسين، حيث أنهى العام الماضي ماراثون نيويورك، أحد أكبر سبعة ماراثونات في العالم، قاطعاً 42.195 كيلومتراً في زمن 2:31:50 ساعة. إنجاز لا يمرّ مرور الكرام، لأنه رسالة واضحة: العزيمة لا تعترف بالأعمار، والشغف لا يتقاعد.
بعد اعتزاله المنافسة الرسمية، لم يغادر بورمضان مضمار الماراثون، بل غيّر موقعه داخله. انتقل من عدّاء يركض من أجل التتويج، إلى رجل يركض من أجل الآخرين. أسّس ماراثون فاس الدولي، تجربة بصمت المدينة لسنوات وحققت نجاحاً تقنياً وتنظيمياً مشهوداً، قبل أن تتوقف لأسباب لا تنقص من قيمتها ولا من بصمة صاحبها.
ثم كانت المحطة الثانية، والأقرب إلى القلب: ماراثون فاس الروحي، الذي أطلقه من خلال جمعية الدلاء الرياضي. سباق ليس فقط بالأرجل، بل بالذاكرة والروح. ماراثون هدفه التعريف بفاس، بتاريخها، بثقافتها، وبهويتها السياحية، وجعل الجري جسراً بين الرياضة والحضارة. بعد نسخة أولى ناجحة، يدخل الحدث سنته الثانية بإصرار أكبر ورؤية أوضح.
عبد الرحيم بورمضان يعشق فاس حتى النخاع، ويجعل من كل كيلومتر يقطعه فرصة للترافع عنها، للتعريف بها، وللدفاع عن صورتها. ورغم المعيقات، ورغم الإكراهات، يظل الرجل صامداً، مثابراً، مؤمناً بأن العمل الصادق لا يضيع.
هو عبد الرحيم المبتسم دائماً، القريب من الرياضيين، المحترم لدى الإعلاميين، المتعاون مع المسؤولين، الخدوم بلا ضجيج، والطموح بلا ادّعاء. وطنيّ بطريقته، يخدم بلده من بوابة الماراثون، ويدعم الطاقات الشابة، ويؤمن بأن المستقبل يُصنع بالقدوة قبل الشعارات.
في زمن تتغير فيه القناعات بسرعة، يظل عبد الرحيم بورمضان ثابتاً كعدّاء يعرف خط النهاية، لكنه يرفض التوقف عنده. قصة رجل أثبت أن الركض يمكن أن يكون وفاءً، وأن الرياضة حين تقترن بالحب، تتحول إلى رسالة حياة.

