فاس : محمد غفغوف
ليس جديدًا أن تئنّ جماعة فاس تحت وطأة أعطاب مزمنة في تدبير مواردها البشرية، لكن الجديد – والخطير – أن هذه الأعطاب خرجت اليوم من دائرة الهمس الإداري إلى فضاء الاتهام العلني. فبلاغ المكتب المحلي للنقابة الديمقراطية للجماعات المحلية، المنضوية تحت لواء الفيدرالية الديمقراطية للشغل، الصادر بتاريخ 13 فبراير 2026، لا يكتفي بتشخيص الأزمة، بل يضع الأصبع مباشرة على جراح مفتوحة: خصاص مهول في الأطر، ترقيات معلقة، ومناصب مسؤولية تُدار بمنطق “الانتظار” بدل منطق الكفاءة والاستحقاق.
دقّ المكتب المحلي للنقابة الديمقراطية للجماعات المحلية بجماعة فاس ناقوس الخطر، محذرًا من وضع إداري وصفه بـ”المقلق والمتراجع”، في بلاغ ناري عقب اجتماع خصص لتدارس مستجدات تدبير الموارد البشرية داخل الجماعة.
البلاغ، الذي جاء بلغة واضحة وغير مسبوقة في حدتها، سجل التراجع المهول في عدد الموظفين خلال السنوات الأخيرة، وما نتج عنه من ضغط مهني متزايد على الأطر المتبقية، خاصة رؤساء الأقسام والمصالح، في ظل تراكم المهام وغياب أي تصور استراتيجي لإعادة التوازن البشري داخل المرفق الجماعي.
ولم يتوقف البلاغ عند التشخيص العددي، بل انتقل إلى ما هو أخطر، حين نبّه إلى الآثار النفسية والمهنية لهذا الخصاص، من إرهاق، احتقان، ومخاطر مهنية وإدارية وقانونية يتحمل الموظفون وحدهم تبعاتها، في وقت يتم فيه سد هذا العجز عبر أعوان عرضيين يشتغلون في مجالات حساسة دون تأطير قانوني واضح، وفي ظروف مادية هشة، ما يكرس – حسب البلاغ – اختلالًا بنيويًا في تدبير الموارد البشرية.
وفي سابقة مثيرة، أثار البلاغ ملف الأعوان العرضيين باعتباره “اختلالًا بنيويًا”، محذرًا من تكليفهم بمهام تتجاوز طبيعة وضعهم القانوني داخل مصالح حيوية، دون أي مشروع واضح لتسوية أوضاعهم، أو احترام كرامتهم المهنية والاجتماعية.
كما عبّر المكتب النقابي عن قلقه الشديد من استمرار غلق باب الترشيح لشغل مناصب رؤساء الأقسام والمصالح منذ أكثر من خمس سنوات، ما حرم العديد من الموظفين من حقهم في التباري وتحمل المسؤولية، وأبقى مصالح جماعية تدار بالتكليف المؤقت، في وضعية “لا قانونية مريحة”، لكنها مدمّرة لمبادئ الحكامة والنجاعة.
ولم يسلم ملف الترقية بدوره من النقد اللاذع، حيث سجل البلاغ ضياع سنوات من المسار المهني لعدد من الموظفين بسبب التأخر في الإعلان عن امتحانات الكفاءة المهنية، وهو ما انعكس سلبًا على التحفيز المهني وجودة الأداء داخل الإدارة.
وفي مقابل هذا التشخيص القاتم، دعا المكتب النقابي إلى اعتماد مقاربة تشاركية وشفافة لإصلاح الوضع، من خلال تنظيم مباريات المسؤولية، وإجراء امتحانات الكفاءة المهنية لجميع الفئات، وتسريع وتيرة التوظيف في مختلف التخصصات الإدارية والتقنية، بما يضمن إنقاذ الإدارة الجماعية من منطق التدبير المؤقت، وإعادة الاعتبار لمبادئ الاستحقاق وتكافؤ الفرص.
بلاغ نقابي لا يمكن قراءته فقط كوثيقة احتجاجية، بل كمرآة صادمة لواقع إداري يهدد صورة جماعة فاس، وجودة خدماتها، وثقة المواطنين في مؤسساتهم. وهو بلاغ يطرح سؤالًا حارقًا: هل تملك الجماعة الشجاعة السياسية والإدارية للاعتراف بالخلل، أم أن سياسة “تدبير الأزمة بالصمت” ستظل العنوان الأبرز لمرحلة عنوانها الكبير: إدارة بلا نفس؟

