بقلم : محمد غفغوف
في مدينةٍ أنجبت العلماء، وخرّجت القضاة، وعلّمت المشرق قبل المغرب، يبدو أن أكبر امتحانٍ أخلاقي تعيشه اليوم ليس في المدارس ولا في الجامعات، بل أمام صناديق الاقتراع.
فاس ليست حيًّا هامشيًا بلا ذاكرة، ولا قريةً منسية على هامش الجغرافيا. إنها مدينة القرويين، مدينة الدولة، مدينة التاريخ الثقيل. ومع ذلك، كلما أطلّ موسم انتخابي، تُختزل في مشهد مهين: سيارات فارهة تجوب الأحياء، ووجوه محفوظة تعود من سباتها الخماسي، وأظرفة تنتقل من يد إلى يد كما لو أننا في “بورصة ضمائر”.
المؤلم ليس أن المال السياسي حاضر. المؤلم أن له زبائن.
نُكثر من سبّ “أصحاب الشكارة”، نحمّلهم كل خطايا المرحلة، نلعنهم في المقاهي وعلى الفايسبوك، ثم نصطفّ في صمت لنمنحهم الشرعية بأيدينا. الحقيقة القاسية التي نهرب منها: الفساد الانتخابي لا ينجح وحده. هو يحتاج إلى قابلية جماعية. يحتاج إلى من يقول: “صوتي لن يغيّر شيئًا”، ثم يقبض المقابل ويغادر.
أي عبثٍ هذا؟
حين يبيع العامل البسيط صوته بدافع الحاجة، يمكن أن نفهم الدافع ولا نبرره. لكن حين تبيع النخب صمتها بدافع اللامبالاة، فذلك أخطر. المثقف الذي ينسحب، الإطار الذي يحتقر السياسة، الشاب الذي يختزل الوطن في “ستوري” غاضبة… كلهم يشاركون في صناعة نفس النتيجة: مؤسسات منتخبة بمال وفيرة، وفقيرة في الكفاءة والضمير.
فاس لا تعاني من نقص في الأدمغة. تعاني من فائض في التبريرات.
لا ينقصها المرشح النزيه، ينقصها الناخب الشجاع.
لا ينقصها الوعي، ينقصها القرار.
المفارقة الساخرة أن أكثر من يصرخون ضد “شراء الذمم” هم أول من يبررونه حين يتعلق الأمر بحيّهم أو قريبهم أو مصلحتهم الصغيرة. نمارس دور الضحية بإتقان، بينما نوقّع على استمرار اللعبة كل خمس سنوات.
الديمقراطية لا تُسرق فقط من فوق. تُفرّط فيها من تحت.
ولا أحد يُهزم في الانتخابات بقدر ما يُهزم الضمير حين يتحول الصوت إلى سلعة.
السؤال لم يعد: لماذا يفوز أصحاب المال؟
السؤال الحقيقي: لماذا لا نخيفهم بصمتٍ جماعي رافض؟ لماذا لا نقول – ولو مرة واحدة – إن الكرامة أغلى من ظرف؟
فاس لا تحتاج شعارات جديدة، ولا صورًا أكبر، ولا وعودًا مكررة، بل تحتاج فقط مواطنًا يدرك أن صوته ليس إحسانًا يقدمه لمرشح، بل أمانة في عنقه.
يوم نفهم ذلك، سينتهي موسم السوق، ويبدأ موسم المدينة.

