سعيد الحارثي مدريد
لنكن صرحاء إلى أقصى حد: الإعلام ليس عملاً خيرياً، ولا نشاطاً تطوعياً يُدار بالحماس وحده. الإعلام صناعة قائمة بذاتها، ومن لا يستثمر في صناعته يخرج من المنافسة بصمت. في إسبانيا، حيث تتقاطع ملفات الهجرة والاقتصاد والسياسة والأمن، لا تُحسم المعارك في الكواليس فقط، بل تُحسم أيضاً في الصحف، وفي المنصات الرقمية، وفي استوديوهات النقاش. الصورة هنا تُبنى يومياً، ومن لا يصنع صورته بنفسه تُصنع له.
الحقيقة التي يتهرب منها كثيرون أن التمويل هو عصب المعركة. لا يمكن أن نطالب بإعلام مغربي قوي ومؤثر في إسبانيا، يخاطب الرأي العام الإسباني بلغته وأدواته، بينما نتركه يشتغل بإمكانات فردية محدودة. في المقابل،
دول أخرى فهمت أن الإعلام الخارجي استثمار استراتيجي لا يقل أهمية عن الدبلوماسية الرسمية. و بذلك تم إنشاء منصات، دعم الصحفيين ، وبنا شبكات علاقات داخل فضاءات القرارات الأوروبية، خصوصاً داخل مؤسسات مؤثرة في إطار الاتحاد الأوروبي. النتيجة كانت حضوراً دائماً وتأثيراً ملموساً وقدرة على فرض الرواية.
أما نحن، فما زلنا نراهن على الاجتهاد الشخصي، وعلى طاقات شابة تقاوم بإصرار لكنها تصطدم بواقع مادي صعب. لا استقرار مالي، لا تخطيط طويل المدى، ولا حماية مهنية حقيقية. كيف يمكن لمنصة إعلامية أن تنافس وهي لا تعرف إن كانت ستستمر بعد ستة أشهر؟ وكيف نطالب بجودة إنتاج عالية دون استثمار في المعدات والتكوين والموارد البشرية؟
التمويل ليس ترفاً، وليس شراءً للأصوات، بل هو شرط أساسي لبناء مؤسسات إعلامية محترفة. الدعم المنظم والشفاف، المبني على مشاريع واضحة وأهداف قابلة للقياس، هو الذي يصنع الفارق. أما الدعم الموسمي والمناسباتي فلا ينتج إلا حضوراً عابراً يختفي مع انتهاء الحدث. في عالم الإعلام الحديث، الاستمرارية أهم من الظهور اللحظي، والتخطيط أهم من ردّ الفعل.
الأخطر من ذلك أن الفراغ الإعلامي لا يبقى فراغاً. حين لا تملأ أنت المساحة، يملؤها غيرك، وحين لا تقدم روايتك، تُقدَّم رواية أخرى قد لا تعكس مصالحك ولا تعبر عنك. في زمن القوة الناعمة، الصورة جزء من السيادة، والكلمة أداة تأثير لا تقل أهمية عن أي أداة أخرى.
إذا أردنا إعلاماً مغربياً قوياً في إسبانيا، قادراً على الدفاع عن قضايا الجالية، وعلى إبراز قصص النجاح، وعلى مخاطبة المجتمع الإسباني بلغة المصالح المشتركة، فلا بد من قرار واضح: الاستثمار أولوية، والتمويل مسؤولية، والعمل يجب أن يكون مؤسساتياً لا فردياً. غير ذلك، سنظل نشتكي من ضعف الحضور، بينما المشكلة الحقيقية ليست في الطاقات، بل في غياب الإرادة لتحويلها إلى مشروع مستدام
الإعلام المغربي في إسبانيا غائب، ضعيف، بلا حضور مؤثر… وليس بسبب نقص الطاقات، بل لأن التمويل غائب، التنسيق فوضوي، وصراعات النفوذ تقتل أي مشروع. جيراننا يعرفون أن الإعلام استثمار استراتيجي، ونحن ما زلنا ننتظر المعجزات الفردية. الحقيقة المؤلمة: من لا يستثمر في الإعلام يترك الساحة للآخرين، ومن لا يبني مؤسسات قوية يظل في الظل. حان الوقت لتحويل الجهود إلى مشروع متكامل، مدعوم بالمال والرؤية، يصنع تأثيراً حقيقياً ويعيد الكلمة المغربية إلى المكان الذي تستحقه.

