فاس : المغرب360
ما وقع في دورة جماعة فاس الأخيرة أعاد إلى الواجهة سؤال الحكامة في تدبير المال العام، وذلك على خلفية التدوينة التي نشرها المستشار الجماعي الأستاذ العربي الطهار عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
في تدوينته، سلط الطهار الضوء على ما جرى خلال مناقشة نقطة “دعم الجمعيات الرياضية”، وهي نقطة يفترض أن تخضع لمساطر واضحة ومعايير مضبوطة سلفًا، تُحتكم فيها إلى مبدأ الاستحقاق وتكافؤ الفرص. غير أن مجريات النقاش – كما أورد – كشفت عن توتر داخل مكونات الأغلبية، بعدما تبين أن إحدى الجمعيات لم تستوفِ الشروط المحددة من طرف اللجنة المختصة، وهو ما كان يقتضي احترام خلاصاتها.
غير أن ردّ فعل أحد نواب الرئيس، بحسب ما جاء في التدوينة، اتسم بحدة كبيرة، إذ عبّر عن غضبه ووجّه اتهامات صريحة لأحد مكونات الأغلبية بكونه “أقصى” الجمعية المعنية، بل ربط استمراره في التحالف بتمكينها من الاستفادة من الدعم.
تدوينة الطهار لم تقف عند حدود سرد الواقعة، بل طرحت سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام تدبير مؤسساتي محكوم بالمعايير والضوابط؟ أم أمام منطق الضغط السياسي داخل الأغلبية؟
فحين تُشتغل اللجان وفق معايير متفق عليها، يفترض أن تكون خلاصاتها ملزمة أخلاقيًا وسياسيًا على الأقل، حتى وإن كان القرار النهائي بيد المجلس. أما تحويل النقاش إلى معادلة سياسية عنوانها “إما تمرير الدعم أو إعادة النظر في التحالف”، فهو – إن صحّ – يضع مصداقية المسطرة بكاملها موضع شك.
الدعم العمومي المخصص للجمعيات الرياضية ليس امتيازًا، ولا ورقة ضغط في حسابات التحالفات، بل هو مال عام مؤطر بالقانون، تحكمه مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وإذا كانت المعايير الموضوعة تعتريها نقائص، فالإطار السليم لمعالجتها هو النقاش المؤسساتي وتعديل الضوابط بشكل علني، لا فرض استثناءات تحت ضغط الانفعال أو التهديد السياسي.
إن ما أثارته تدوينة المستشار عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يتجاوز حالة جمعية بعينها، ليطرح سؤالًا أعمق حول ثقافة التدبير داخل جماعة فاس: هل تحكمها القواعد المتوافق عليها، أم موازين القوة داخل الأغلبية؟
المواطن الفاسي لا تعنيه تفاصيل التوترات داخل التحالفات بقدر ما يعنيه أن تُصرف أمواله وفق معايير عادلة وواضحة. لذلك، فإن اللحظة تقتضي من جميع مكونات المجلس التحلي بالرصانة، واحترام عمل اللجان، وتغليب منطق المؤسسة على منطق الأشخاص.
ما حدث – كما تعكسه التدوينة – ليس مجرد انفعال عابر في جلسة نقاش، بل مؤشر يستدعي وقفة تأمل جماعية. فإما أن نحترم القواعد التي نضعها لأنفسنا ونحتكم إليها عند الاختلاف، أو نعترف بأن خطاب “المعايير والشفافية” يظل مجرد عنوان للاستهلاك، فيما تُحسم القرارات في لحظات غضب وضغط سياسي.
في نهاية المطاف، الرهان الحقيقي ليس تمرير دعم هنا أو هناك، بل ترسيخ ثقافة تدبير عمومي يحمي المال العام ويصون الثقة في المؤسسة المنتخبة.

