بقلم: محمد غفغوف
في السياسة، من السهل أن تقود في زمن الصعود، وأن تلوّح بالشعارات حين تكون الرياح مواتية. لكن الامتحان الحقيقي للقيادات يُقاس في لحظات الانكماش، حين تتراجع الشعبية، وتتسع هوة الثقة، ويتكاثر الناقدون من الداخل قبل الخارج. هنا بالضبط يمكن قراءة تجربة إدريس لشكر على رأس حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية؛ لا دفاعًا عاطفيًا عن الرجل، بل قراءة موضوعية لمرحلة سياسية وتنظيمية معقدة.
حين تولّى لشكر القيادة، لم يكن الحزب يعيش لحظة قوة انتخابية أو إشعاع تنظيمي، بل كان يواجه آثار تراكمات طويلة تمثلت في نزيف القواعد، وتصاعد الصراعات الداخلية، وانكفاء بعض القيادات التاريخية، فضلًا عن تحولات عميقة في الخريطة السياسية والاجتماعية. في مثل هذه الظروف، يصبح الهدف الأول هو منع الانهيار قبل التفكير في تحقيق المكاسب. والحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الحزب لم يتفكك، ولم يتحول إلى كيانات متصارعة، ولم يدخل مرحلة شلل تنظيمي. عُقدت المؤتمرات، وتجددت الهياكل، واستمر الحضور المؤسساتي. وفي علم التنظيمات، تُعدّ الاستمرارية في زمن العواصف إنجازًا في حد ذاتها، لا تفصيلًا عابرًا.
لقد عرفت المدرسة الاتحادية دائمًا حيوية فكرية وتعددًا داخليًا، غير أن جزءًا من الأزمة لم يكن سببه خصوم الحزب بقدر ما كان نتيجة اختيارات بعض أبنائه الذين فضلوا الانسحاب إلى الحياد المريح، أو ممارسة النقد من خارج المؤسسات، أو الاكتفاء بنضال افتراضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. والفارق كبير بين من يخوض معركته داخل الأجهزة الشرعية، ومن يغادر التنظيم ثم يحمّله مسؤولية تعثره. إدريس لشكر اختار البقاء في قلب المواجهة، داخل المؤسسات، وتحت سقف الشرعية التنظيمية. قد يُنتقد في أسلوبه أو في بعض قراراته، وذلك أمر طبيعي في العمل السياسي، لكن لا يمكن اتهامه بالهروب أو بالتخلي عن المسؤولية.
ولا يمكن فهم أي قيادة للاتحاد الاشتراكي دون استحضار رمزية مرحلة التناوب بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، وهي اللحظة التاريخية التي صنعت سقفًا رمزيًا مرتفعًا في الوعي السياسي المغربي. غير أن السياسة لا تعيش على الذاكرة وحدها؛ فالسياقات تتغير، والناخب يتغير، وطبيعة الفعل الحزبي تتبدل. ومن ثم فإن تحميل أي قيادة لاحقة مسؤولية عدم استنساخ لحظة تاريخية فريدة ينطوي على قدر من الرومانسية السياسية التي لا تستحضر اختلاف الشروط الموضوعية. المرحلة التي قادها لشكر لم تكن مرحلة صعود جماهيري، بل مرحلة إدارة انتقال صعب في مشهد سياسي متحول.
ومنذ سنوات، ظل إدريس لشكر هدفًا لحملات سياسية وإعلامية متواصلة، بعضها يدخل في إطار النقد الديمقراطي المشروع، وبعضها يتجاوز ذلك إلى الشخصنة والمبالغة. ومع ذلك، لم ينسحب، ولم يجمد الحزب، ولم يعلن نهاية التجربة. فالقيادة في زمن العواصف تتطلب صلابة نفسية قبل أن تكون مجرد مهارة سياسية، وهذه الصلابة كانت واضحة، سواء اتفق معه البعض أم اختلفوا.
إن تراجع الأحزاب التاريخية ليس ظاهرة خاصة بالاتحاد الاشتراكي، بل هو تحول بنيوي يمسّ الوساطة الحزبية التقليدية برمتها. ومن ثم فإن السؤال الجوهري لا ينبغي أن يُختزل في شخص القائد، بل في طبيعة النموذج الحزبي نفسه ومدى قدرته على التأقلم مع التحولات المجتمعية والسياسية. وإذا كانت الأزمة بنيوية بالفعل، فإن الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك يصبح نجاحًا نسبيًا ينبغي الاعتراف به، لا إخفاقًا مطلقًا يُحمَّل لشخص واحد.
يمكن الاختلاف مع إدريس لشكر في بعض التحالفات أو الخطابات أو التكتيكات السياسية، وذلك حق مشروع داخل أي تنظيم حي. غير أن إنكار صموده، أو تجاهل أنه حافظ على استمرارية حزب تاريخي في لحظة شديدة التعقيد، يظل حكمًا غير منصف. ففي زمن يختار فيه كثيرون الهامش أو الصمت أو النقد السهل، اختار الرجل البقاء في الميدان، لأن السياسة في جوهرها مسؤولية قبل أن تكون موقعًا. وأحيانًا، يكون الصمود في حد ذاته موقفًا.

