بقلم : محمد غفغوف
في مدينة بحجم وتاريخ فاس، لا تُقاس السياسة بعدد المقاعد فقط، بل بميزان الذاكرة الجماعية ووعي المواطن الذي راكم من التجارب ما يكفي ليميز بين الخطاب والممارسة. ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يبدو أن جزءاً من برلمانيي الأغلبية يعيشون على إيقاع ارتباك صامت: بعضهم يبحث عن “تزكية” حزب جديد، وآخرون نالوا التزكية من جديد لكنهم ما زالوا يبحثون عن شيء أصعب… ثقة المواطن الفاسي.
التزكية الحزبية، في جوهرها، إجراء تنظيمي يمنح المرشح غطاءً قانونياً وسياسياً لخوض الانتخابات. لكنها في مدينة مثل فاس لا تكفي وحدها. فهنا، لا تُمنح الشرعية الحقيقية إلا عبر الإنجاز الملموس: مشاريع ترى النور، ملفات تُحل، قضايا تُدافع عنها بجرأة داخل قبة البرلمان وخارجها.
السؤال الذي يتردد في المجالس الخاصة والعامة: ماذا قدم بعض هؤلاء لدوائرهم؟ هل كانوا صوتاً حقيقياً للساكنة، أم مجرد رقم في معادلة الأغلبية؟ هل مارسوا الرقابة والترافع، أم اكتفوا بحضور باهت لا يكاد يُذكر إلا في المناسبات الرسمية؟
حين يبدأ منتخب في البحث عن حزب جديد قبيل الانتخابات، فالأمر لا يُقرأ دائماً باعتباره “حركية سياسية صحية”. أحياناً يكون مؤشراً على فقدان العمق داخل الحزب الأصلي، أو على قراءة مسبقة لصعوبة تجديد الثقة شعبياً. الانتقال من لون سياسي إلى آخر قد يمنح جرعة أوكسجين ظرفية، لكنه لا يمحو حصيلة خمس سنوات من الأداء.
أما الذين حصلوا على التزكية من جديد، فهم أمام امتحان أصعب. فالتجديد الحزبي لا يعني التجديد الشعبي. الناخب الفاسي، الذي عايش وعوداً كثيرة لم ترَ طريقها إلى التنفيذ، لن يمنح صوته بناءً على الشعارات وحدها. لقد تغير المزاج العام، وأصبح السؤال المركزي: ماذا تحقق فعلاً؟
تواجه فاس تحديات مركبة: بطالة الشباب، تأهيل الأحياء الهامشية، إنعاش الاستثمار، حماية الموروث الثقافي، والارتقاء بالخدمات الاجتماعية. هذه الملفات تحتاج إلى برلمانيين مبادرين، ينسجون علاقات مؤسساتية قوية، ويدافعون عن مشاريع ملموسة ضمن قوانين المالية والبرامج الحكومية.
لكن ما يُلاحظ هو أن الحضور البرلماني الفاسي لم يكن في مستوى انتظارات مدينة تُلقب بالعاصمة العلمية. نادراً ما تصدرت قضايا فاس النقاش الوطني بقوة، ونادراً ما شعر المواطن أن ممثله يشتبك سياسياً دفاعاً عن مصالحه.
المؤشرات الميدانية توحي بأن الناخب الفاسي يتجه نحو مرحلة جديدة من الوعي السياسي. لم يعد الانتماء الحزبي وحده حاسماً، ولا الخطاب العاطفي كافياً. هناك ميل متزايد نحو تقييم الحصيلة، ومساءلة المنتخبين حول التزاماتهم السابقة.
هذا التحول يضع برلمانيي الأغلبية أمام معادلة دقيقة: إما تقديم كشف حساب واضح وصريح، أو مواجهة صندوق اقتراع قد يحمل مفاجآت غير سارة. فالثقة، حين تُفقد، لا تُستعاد ببلاغات ولا بصور على وسائل التواصل، بل بالفعل السياسي المسؤول.
الحديث عن أن المواطن “سيلقنهم درساً” ليس تهديداً بقدر ما هو توصيف لمرحلة سياسية قادمة. الديمقراطية في جوهرها آلية للتقييم الدوري. إن أحسن المنتخب الأداء، جُددت له الثقة. وإن أخفق، كان التغيير هو الجواب الطبيعي.
فاس اليوم لا تبحث عن أسماء بقدر ما تبحث عن كفاءة ونزاهة والتزام، وتبحث عن برلماني يعتبر نفسه في خدمة المدينة، لا العكس، كما تبحث عن صوت قوي داخل المؤسسات، لا مجرد تابع في معادلة عددية.
وفي النهاية، ستبقى الكلمة الفصل للناخب. فهو وحده من يمنح الشرعية، وهو وحده من يسحبها، وبين التزكية الحزبية وثقة المواطن مسافة لا تُختصر بالشعارات… بل تُقطع بالعمل.

