بقلم : محمد غفغوف
إن تدبير مدينة كفاس ليس مباراة في تسجيل الحضور الإعلامي، ولا سباقًا نحو احتلال واجهة الصورة. إنه مسؤولية قانونية قبل أن يكون موقعًا سياسيًا، وأمانة أخلاقية قبل أن يكون رصيدًا انتخابيًا.
الذين يختزلون الشرعية الانتخابية في تفويض مطلق، ينسون أن القانون التنظيمي للجماعات وضع حدودًا واضحة للاختصاصات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فالشرعية تمنح حق ممارسة الاختصاص داخل حدود القانون، لا خارجه، ومن يتوهم أن الأصوات التي حصل عليها تخوله الانفراد بالقرار أو تجاوز المؤسسات، إنما يضع نفسه في مواجهة نص وروح القانون معًا.
اليوم، لا تحتاج فاس إلى منتخبين يتبارون في من يلتقط الصورة الأقرب، أو من يكتب التدوينة الأكثر انتشارًا، فاس تحتاج إلى انسجام داخل الأغلبية، وإلى وضوح في الرؤية، وإلى انضباط مؤسساتي يحترم هيبة المجلس الجماعي.
غير أن ما يجري داخل التحالف المسير يكشف عن تصدع كبير، ليس فقط بين مكوناته، بل حتى داخل أعضاء مكتبه المسير، صوت من داخل المكتب يهدد صراحة بتفجير التحالف عبر تصريحات تمرر من خلال صفحات مؤثرين، وصوت آخر نشاز يغرد خارج السرب، دون علم المكتب أو تنسيق معه. إنها مؤشرات على هشاشة بنيوية، وعلى أزمة ثقة عميقة بين الشركاء.
الأخطر أن خلف هذا الاضطراب يلوح شبح “سعار الانتخابات”، بعض المنتخبين منشغلون مبكرًا بحسابات التزكية وضمان مواقعهم في الاستحقاقات المقبلة، فيسعون إلى افتعال معارك جانبية لإثبات حضورهم داخل أحزابهم، وآخرون يستعرضون عضلاتهم علّهم يلفتون انتباه أحزاب أخرى، في مشهد أقرب إلى سوق انتقالات سياسية منه إلى تدبير جماعي لمدينة عريقة.
وفي المقابل، يخيّم صمت مريب على القيادات الإقليمية للأحزاب، المنشغلة بصراعاتها الداخلية وبحسابات الانتخابات التشريعية المقبلة. كأن تدبير العاصمة العلمية مسألة ثانوية يمكن تأجيلها، أو ملفًا يمكن تركه يتآكل بصراعات الأشخاص.
لكن فاس ليست هامشًا في أجندة أحد، هي مدينة بتاريخها ورمزيتها وتحدياتها الاجتماعية والاقتصادية. وأي تصدع داخل الأغلبية ينعكس مباشرة على جودة القرار، وعلى وتيرة المشاريع، وعلى ثقة المواطن في المؤسسات.
المطلوب اليوم ليس تبادل الرسائل عبر وسائط غير رسمية، ولا تصفية الحسابات عبر “اللايفات” والتدوينات، بل عقد سياسي وأخلاقي جديد داخل الأغلبية، يعيد تعريف الأولويات:
– الانضباط للمؤسسة لا للأشخاص.
– تغليب المصلحة العامة على الحسابات الانتخابية المبكرة.
– احترام مبدأ التضامن الحكومي المحلي داخل المكتب المسير.
وإلا فإن السؤال سيُطرح بقوة: من يدبر فاس فعليًا؟ هل هو المكتب المنتخب وفق القانون، أم الحسابات الحزبية الضيقة، أم طموحات فردية تبحث عن تزكية أو انتقال سياسي؟
إن المدينة لا تحتمل مزيدًا من العبث المؤسسي، والتاريخ لا يرحم من أضاعوا زمن التدبير في سباق المواقع.
فالسياسة مسؤولية… أو لا تكون.

