فاس : محمد غفغوف
ليست فاس مدينة عادية في الجغرافيا السياسية المغربية. هي فاس، العاصمة العلمية، خزّان الذاكرة الوطنية، ومرآة التحولات الاجتماعية الكبرى. لكنها، خلال العقدين الأخيرين، وجدت نفسها رهينة مشهد انتخابي مرتبك، تداخلت فيه السياسة بالسمسرة، والعمل الجمعوي بالمصلحة، والرياضة بالحسابات الضيقة.
في كل محطة انتخابية، يطفو على السطح ما يمكن تسميته بالاقتصاد الموازي للانتخابات. شبكات غير مرئية تتحرك في الأحياء الهامشية، تفاوض، تساوم، وتُسعّر الصوت الانتخابي كما تُسعّر السلع في الأسواق. لم يعد الأمر مقتصرًا على سماسرة تقليديين؛ بل توسعت الدائرة لتشمل فاعلين يقدّمون أنفسهم كجمعويين، ومسيري فرق وجمعيات رياضية يستثمرون في القاعدة الشبابية، ومنتخبين قدامى عادوا بلباس جديد، وشبابًا سياسيين يتقنون لعبة الولاء المتنقل، وبعض “قادة الوهم” داخل أحزاب تعرف جيدًا من أين تؤكل الكتف. هكذا تحوّل الاستحقاق الديمقراطي من لحظة تنافس برامج إلى عملية تدبير مصالح ظرفية، تُدار بمنطق الصفقة لا بمنطق المشروع.
العمل الجمعوي في فاس كان تاريخيًا مدرسة للمواطنة، وفضاءً للتأطير والتطوع وخدمة الصالح العام. غير أن جزءًا منه انزلق، في بعض الحالات، إلى لعب أدوار انتخابية مقنّعة، حيث يتحول الدعم العمومي والأنشطة والبرامج الاجتماعية إلى رأسمال انتخابي مؤجل. بعض مسؤولي الفرق الرياضية لا ينظرون إلى الرياضة باعتبارها مشروعًا تربويًا يصنع الأبطال، بل كمنصة نفوذ داخل الأحياء الشعبية، تُبنى عبرها شبكات الولاء، وتُحشد عبرها الكتلة الناخبة. وهنا يختلط المجال الرياضي بالمجال السياسي في غياب فصل أخلاقي واضح بين الفعل المدني النبيل والتوظيف الانتخابي المصلحي.

وفي عدد من الدروب والأزقة التي ينهشها الفقر والأمية، يظهر نمط آخر من الوسطاء، أشخاص يملكون “الهيبة” أكثر مما يملكون الوعي، يتحكمون في المزاج المحلي ويوجهون الكتلة التصويتية مقابل امتيازات آنية. لا يكون النقاش حول برنامج تنموي أو رؤية اقتصادية، بل حول من سيدفع أكثر، ومن سيعد بتشغيل قريب، ومن سيتكفل بحاجات ظرفية. الفقر لا يُنتج بالضرورة فسادًا، لكنه حين يُستثمر سياسيًا يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج نفس النخب ونفس الأعطاب.
خلال العشرين سنة الأخيرة، عرفت فاس تراجعًا نسبيًا في جاذبيتها الاقتصادية مقارنة بمدن أخرى، رغم ما تملكه من رصيد تاريخي وروحي وثقافي. لم يُستثمر بما يكفي في تأهيل أحيائها الهامشية، ولا في خلق نسيج اقتصادي حديث قادر على امتصاص بطالة الشباب، ولا في تثمين إمكاناتها السياحية والثقافية بما يجعلها قطبًا حقيقيًا للتنمية. المدينة التي كانت قاطرة في مجالات عديدة أصبحت في نظر كثير من أبنائها مدينة تنتظر أكثر مما تبادر، وتترقب أكثر مما تقرر.

غير أن اختزال الأزمة في “شناقة الانتخابات” وحدهم تبسيط مخلّ. السؤال الأعمق يتعلق بالبيئة التي تسمح لهم بالتمدد، وبالأحزاب التي تزكّيهم حين تحتاج إلى الأرقام، وبضعف المحاسبة الداخلية، وبثقافة سياسية تعتبر الفوز غاية تبرر كل الوسائل. كما يتعلق بهشاشة الوعي الانتخابي في بعض الأوساط، حيث يغيب النقاش العمومي الجاد حول البرامج، وتحضر الشخصنة والوعود العابرة.
فاس لا تستحق أن تكون رهينة اقتصاد الأصوات ولا رهينة زعامات موسمية. هي مدينة قادرة على استعادة دورها إذا ما توفرت إرادة سياسية محلية حقيقية تُعيد الاعتبار للأخلاق في الممارسة، وتفصل بين العمل المدني والسياسي، وتستثمر في الإنسان قبل الحجر، وتفتح المجال أمام كفاءات شابة تؤمن بأن السياسة خدمة لا صفقة. المعركة اليوم ليست فقط انتخابية، بل أخلاقية وتنموية في الآن نفسه. والسؤال الذي يظل معلقًا في سماء المدينة: هل تملك النخب المحلية الشجاعة لكسر الحلقة، أم سنظل ندور في الدائرة نفسها حتى إشعار انتخابي آخر؟

