فاس : محمد غفغوف
تعيش جماعة فاس منذ أشهر على وقع احتقان متصاعد وأسئلة ثقيلة أصبحت تتردد بقوة داخل الأوساط السياسية والحقوقية والإعلامية، حول طريقة تدبير الشأن المحلي بالعاصمة العلمية، في ظل تزايد الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجماعة عبدالسلام البقالي بخصوص ملفات مرتبطة بالتسيير المالي والإداري، والتعامل مع عدد من القضايا الحساسة التي تهم المال العام ومصالح الساكنة.
فاس، التي كانت تنتظر مجلساً يعيد إليها بريقها التنموي، تبدو اليوم وكأنها غارقة في دوامة من الجدل السياسي والارتباك التدبيري، وسط حديث متزايد عن غياب الحكامة والوضوح، وتنامي الشعور بأن المدينة تُدار بمنطق رد الفعل بدل رؤية استراتيجية واضحة.
أخطر ما يُثار اليوم داخل الرأي العام المحلي، هو ملف الأراضي العارية والضرائب المرتبطة بها، حيث تتحدث أصوات سياسية وجمعوية عن وجود تساهل غير مفهوم مع بعض الخواص الذين لم يؤدوا ما عليهم من مستحقات جبائية، في وقت تبحث فيه الجماعة عن الموارد المالية وتشتكي من ضعف المداخيل والإكراهات المالية.
السؤال الذي يطرحه المواطن الفاسي ببساطة:
كيف يمكن لجماعة تشتكي العجز المالي أن تتغاضى عن استخلاص مستحقات بملايين الدراهم؟
ومن يحمي المتملصين من أداء واجباتهم تجاه المدينة؟
الأخطر من ذلك، أن الصحافة الجادة، حين تحاول الاقتراب من هذه الملفات وطلب المعلومات أو المعطيات الدقيقة، تصطدم ـ بحسب عدد من المتتبعين ـ بجدار من الصمت والتجاهل، وكأن الحصول على المعلومة أصبح امتيازاً يمنح للبعض ويُحجب عن البعض الآخر.
وفي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون المؤسسة المنتخبة منفتحة على جميع المنابر الإعلامية بدون تمييز، تتعالى الانتقادات بشأن ما يعتبره مهنيون “تعاملاً انتقائياً” مع وسائل الإعلام، عبر فتح قنوات التواصل بشكل أكبر مع منابر يُنظر إليها على أنها قريبة من الحزب الذي يقود الجماعة، مقابل برودة أو تجاهل تجاه أصوات إعلامية أخرى اختارت ممارسة دورها الرقابي وطرح الأسئلة المزعجة.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية… حين يتحول التواصل المؤسساتي إلى أداة سياسية، وتصبح المعلومة خاضعة لمنطق القرب والولاء بدل حق الصحافة والرأي العام في المعرفة.
فالمجالس المنتخبة لا تملك المدينة، بل تدبرها باسم المواطنين.
والصحافة ليست خصماً لأحد، بل عين المجتمع التي تراقب وتسائل وتنقل الحقيقة.
اليوم، فاس لا تحتاج إلى مزيد من البلاغات الرمادية أو الخطابات التبريرية، بل تحتاج إلى وضوح وشجاعة سياسية ومصارحة حقيقية مع الساكنة حول مصير عدد من الملفات التي أصبحت تثير الكثير من علامات الاستفهام.
العاصمة العلمية للمملكة تستحق أكثر من صراعات سياسية صامتة وتدبير يثير الجدل يوماً بعد يوم.
تستحق مجلساً يفتح أبوابه للنقد قبل التصفيق، ويعتبر الإعلام شريكاً في الرقابة والبناء، لا مجرد منصة للترويج والتلميع.
أما المواطن الفاسي، فقد أصبح يدرك جيداً أن أخطر ما يمكن أن يصيب مدينة بحجم فاس… ليس فقط ضعف التنمية، بل أيضاً غياب الثقة.

