تطوان : المغرب360
بقلم : أسامة العمراني
لا يزال ملف أسعار المحروقات بالمغـرب يشكل مادة دسمة للنقاش العمومي، ومصدراً أساسياً لإنهاك القدرة الشرائية للمواطنين وتنافسية المقاولات الوطنية.
ومنذ قرار تحرير الأسعار سنة 2015، أثبتت التجربة أن آليات السوق الحرة لم تحقق التوازن المنشود، بل تركت المستهلك المغربي عرضة لتقلبات دولية وهوامش ربح غير مبررة في كثير من الأحيان.
ومن هذا المنطلق، بات من الضروري التفكير في حلول بنيوية جريئة، أبرزها: إعادة اعتماد آلية “تسقيف الأسعار” وفق معادلة رياضية واضحة وشفافة، توازن بين التزامات الدولة المالية وحق المواطن في أسعار عادلة.
نطرح اليوم مقترحاً عملياً يربط بشكل مباشر وممرحل بين السعر العالمي لبرميل النفط والثمن المؤدى في محطات الوقود الوطنية، مع الأخذ بعين الاعتبار هوامش الربح الحقيقية والتقلبات النسبية، مع احترام الرسوم والضرائب الثابتة للدولة كخط أحمر.
1. نقطة الارتكاز (الوضع المرجعي الواقعي)
نقترح تعيين نقطة ارتكاز عادلة ومبنية على المؤشرات الحالية للسوق الدولية وتكاليف المواد المكررة ببورصة “روتردام” (التي تدور حالياً حول مستويات 75 دولاراً للبرميل)، لتكون المعادلة كالتالي:
عندما يكون سعر برميل النفط عالمياً يساوي 75 دولاراً:
يُسقف سعر الديزل (المازوط) في محطات الوقود عند 10.50 دراهم للتر.
يُسقف سعر البنزين (ليسانس) عند 12.50 دراهم للتر.
إن اختيار هذه العتبة المرجعية يأتي مراعاةً لعدم المساس بالموارد الضريبية السيادية للدولة (كالضريبة الداخلية على الاستهلاك TIC والضريبة على القيمة المضافة TVA)، والتي تشكل ركيزة أساسية لتمويل الميزانية العامة والأوراش الاجتماعية والدعم المباشر، وضماناً لتغطية تكاليف الشحن والتوزيع دون الإضرار بالشركات المستوردة.
أما الوصول إلى عتبة الـ 8 دراهم للديزل، فيظل هدفاً ممكناً وتلقائياً عندما ينخفض سعر البرميل عالمياً إلى مستويات أدنى تخدمها هذه المعادلة.
2. آلية التغيير المرن (قاعدة 10% مقابل 5%)
لحماية الاستقرار المالي لشركات التوزيع من جهة، وحماية المستهلك من جهة أخرى، نقترح تطبيق آلية التغير النسبي، بحيث لا تنعكس تقلبات البرميل بشكل كامل (1 لـ 1) بل بنسبة النصف لتفادي الصدمات الفجائية:
القاعدة: كل تغير في سعر برميل النفط (ارتفاعاً أو انخفاضاً) بنسبة 10%، يقابله تأثير على السعر الأساسي للمحروقات في المغرب بنسبة 5%.
أمثلة توضيحية لتطبيق الآلية:
في حالة انخفاض النفط بـ 10% (ليصل إلى 67.5 دولاراً للبرميل): ينخفض السعر المرجعي للمحروقات بنسبة 5%، ليصبح الديزل بـ 9.97 دراهم، والبنزين بـ 11.87 دراهم.
في حالة ارتفاع النفط بـ 10% (ليصل إلى 82.5 دولاراً للبرميل): يرتفع السعر المرجعي بنسبة 5%، ليصبح الديزل بـ 11.02 دراهم، والبنزين بـ 13.12 دراهم.
3. السيادة الطاقية: مصفاة “سامير” كشرط للاستدامة
وجب التأكيد هنا على أن نجاح هذا المقترح على المدى البعيد، وانتقال المغرب من عتبة “التسقيف المرن” إلى خفض الأسعار الحقيقي (للوصول مثلاً إلى هدف 8 دراهم للديزل)، يظل رهيناً بقرار سياسي واقتصادي شجاع وهو: إعادة تشغيل شركة مصفاة “سامير” بالمحمدية.
إن استمرار استيراد المواد مكررة وجاهزة من الخارج يستنزف العملة الصعبة ويحرم الاقتصاد الوطني من “هامش التكرير”.
إعادة إحياء المصفاة الوطنية ستمكن المغرب من استيراد النفط الخام بأسعار أرخص وتكريره محلياً، وهو ما سيعطي مرونة أكبر لهاته المعادلة، ويرفع من مخزوننا الاستراتيجي، ويحمي البلاد من صدمات الإمدادات الخارجية.
لماذا هذا المقترح ضروري اليوم؟
أولاً: لتحقيق الشفافية المطلقة وقطع دابر المضاربات، وهذه المعادلة ستجعل المواطن والمقاول على دراية مسبقة بتكلفة تنقلاتهم وإنتاجهم بمجرد الاطلاع على الأخبار الاقتصادية العالمية، مما يقطع الطريق أمام أي شبهات حول “التواطؤ” أو الهوامش الربحية العشوائية والمبالغ فيها.
ثانياً: الحفاظ على الاستقرار المالي للدولة
لأن تطبيق هذه النسب مع الإبقاء على الرسوم والضرائب الحالية يضمن للدولة الحفاظ على تدفقاتها المالية لتمويل الخدمات العمومية، دون أن تضطر للعودة إلى نظام الدعم الكلاسيكي (صندوق المقاصة) الذي كان ينهك الميزانية العامة في فترات الأزمات.
ثالثاً: حماية السلم الاجتماعي
إن تسقيف الأسعار بناءً على قواعد علمية واضحة هو صمام أمان للاقتصاد الوطني، لأن الزيادات غير المنضبطة في أسعار الوقود سرعان ما تنتقل كالنار في الهشيم إلى المواد الغذائية والخدمات وتلهب التضخم.
“خلاصة”
إن العودة إلى تسقيف الأسعار وفق هذه الصيغة المرنة والمعدلة ليست تراجعاً عن الانفتاح الاقتصادي، بل هي “عقلنة” ضرورية لحماية النسيج المجتمعي والاقتصادي المغربي.
لقد حان الوقت لتتحمل الحكومة مسؤوليتها التنظيمية، وتضع حداً للتأويلات، من خلال تبني معادلة وطنية واضحة تربط بورصة الطاقة العالمية بجيوب المغاربة بشكل عادل، متوازن، ومستدام، توازياً مع حل ملف “سامير” لضمان أمننا الطاقي.

