بقلم: محمد غفغوف
لم يعد ما يجري داخل مجلس جماعة فاس مجرد خلافات سياسية عابرة، بل أصبح عنوانًا لفشل تدبيري وسياسي يسيء إلى تاريخ العاصمة العلمية، ويكرس صورة مؤسسة منتخبة فقدت بوصلتها، وأصبحت عاجزة حتى عن عقد دورة استثنائية بسبب غياب النصاب القانوني.
أي رسالة يريد هذا المجلس أن يبعث بها إلى ساكنة فاس؟ هل يريد أن يقنع المواطنين بأن المدينة تستحق مزيدًا من الانتظار، بينما المنتخبون غارقون في صراعاتهم وحساباتهم الضيقة؟ وهل يعقل أن تتوقف مشاريع تهم النقل، والصحة، والتهيئة الحضرية، والرياضة، والثقافة، والميزانية، لأن بعض المنتخبين اختاروا الغياب بدل تحمل مسؤولياتهم؟
الحقيقة التي لم يعد بالإمكان إخفاؤها، أن التحالف الذي يسير جماعة فاس لم يكن يومًا تحالفًا مبنيًا على رؤية موحدة أو برنامج تنموي واضح، بل بدا منذ البداية تحالفًا فرضته الحسابات الانتخابية وتقاسم المواقع أكثر مما فرضته مصلحة المدينة. وعندما تكون المصالح هي الرابط الوحيد، فإن أول اختبار حقيقي يكون كافيًا لكشف هشاشة البناء.
فاس اليوم ليست ضحية ضعف الإمكانيات، بل ضحية غياب الإرادة السياسية. مدينة بتاريخها العريق ومكانتها الوطنية تستحق مجلسًا يصنع القرار، لا مجلسًا يصنع الأزمات. تستحق منتخبين يتنافسون في الإنجاز، لا في تسجيل النقاط السياسية وتبادل الضغوط.
والأخطر أن هذا العبث لا يدفع ثمنه أعضاء المجلس، بل يدفعه المواطن البسيط الذي ينتظر تحسين النقل، وتأهيل الأحياء، وجذب الاستثمار، وخلق فرص الشغل، وتحسين الخدمات. كل يوم يضيع في الصراعات هو يوم يُقتطع من مستقبل فاس.
إن من يتحمل المسؤولية اليوم هو الأغلبية بكل مكوناتها، لأنها مطالبة قبل غيرها بضمان السير العادي للمؤسسة. أما تحويل المجلس إلى ساحة للصراعات الشخصية، فإنه يمثل إساءة للعمل السياسي ولمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
لقد سئم الفاسيون الوعود والشعارات. سئموا مجالس تكثر فيها البلاغات وتقل فيها الإنجازات. وسئموا مشهدًا يتكرر في كل محطة، حيث تتقدم الحسابات الخاصة على المصلحة العامة.
لقد حان الوقت لقولها بوضوح: فاس ليست غنيمة سياسية، وليست حقل تجارب لتحالفات هشة، وليست رهينة لمصالح ضيقة. فإما أن يستعيد هذا المجلس هيبته وقدرته على خدمة المدينة، وإما أن يعترف بعجزه أمام الرأي العام.
فالتاريخ لا يتذكر عدد التحالفات التي تشكلت، بل يتذكر من خدم المدن ومن أضاع فرصها. أما فاس، فقد انتظرت كثيرًا… ولا تستحق أن تضيع سنوات أخرى في دوامة الارتجال والشلل السياسي.

