فاس : محمد غفغوف
لا تبدو أحزاب الأغلبية الحكومية بفاس الشمالية في أفضل أحوالها وهي تستعد للاستحقاقات التشريعية المقبلة. فبدل التفرغ لإقناع الناخبين بحصيلتها وبرامجها، انشغلت بصراعات داخلية حول التزكيات، أفرزت استقالات وانتقالات بين أحزاب التحالف نفسه، في مشهد يعكس أن معركة المواقع أصبحت أهم من معركة كسب ثقة المواطنين.
إن الإصرار على إعادة ترشيح بعض البرلمانيين الذين لم يتركوا الأثر المنتظر، أو الدفع بوجوه تفتقد للتجربة السياسية والترافعية، يطرح أكثر من علامة استفهام حول معايير اختيار المرشحين. فالانتخابات ليست مناسبة لتجريب الأسماء، بل محطة لاختيار من يمتلك الكفاءة والقدرة على تمثيل الساكنة والدفاع عن قضاياها.
ولا يقتصر أثر هذه الخلافات على الأحزاب وحدها، بل يمتد إلى صورة العمل السياسي برمته. فكلما ارتفع منسوب الصراعات الشخصية وتغليب الحسابات الضيقة، ازداد منسوب العزوف الانتخابي، وتعمقت فجوة الثقة بين المواطن والفاعل السياسي، وهي معادلة لا تخدم المسار الديمقراطي ولا تعزز المشاركة السياسية.
ومن جهة أخرى، فإن الرهان على الأعيان أو على الحملات الرقمية المكثفة لن يكون كافياً لحسم معركة انتخابية أصبحت أكثر تعقيداً. فالناخب الفاسي راكم تجربة انتخابية تجعله أكثر قدرة على التمييز بين الخطاب الاستهلاكي والمشروع السياسي الجاد، وبين الوعود الموسمية والعمل الميداني المستمر.
وفي المقابل، تدخل بعض الأحزاب المتوسطة والصغيرة السباق بأسماء جديدة، لكنها تفتقد إلى القاعدة الانتخابية والتنظيم القوي والبرنامج المقنع، وهو ما يجعل حظوظها في تحقيق مفاجأة حقيقية محدودة. فالضجيج على منصات التواصل الاجتماعي لا يصنع رصيداً انتخابياً، و”البوز” لا يعوض العمل الميداني ولا الثقة التي تُبنى بالتراكم.
المؤكد أن استمرار هذا الارتباك داخل مكونات الأغلبية قد يمنح المعارضة فرصة ثمينة للعودة إلى البرلمان من بوابة فاس الشمالية، إذا أحسنت استثمار أخطاء منافسيها وقدمت بديلاً يحظى بثقة الناخبين.
في النهاية، الناخب الفاسي أصبح أكثر وعياً من أي وقت مضى. فهو لا يبحث عن مرشح يجيد صناعة الصورة، بل عن نائب يحمل مشروعاً، وصوتاً مسموعاً تحت قبة البرلمان، وحضوراً دائماً بين المواطنين، لا خلال الحملة الانتخابية فقط.

