بقلم : محمد غفغوف
انطلقت الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية عبر مختلف ربوع الوطن، وانطلقت معها مرحلة جديدة يفترض أن تكون مناسبة حقيقية لإعادة النقاش حول معنى التمثيل السياسي، وحول من يستحق أن يحمل صوت المواطنين إلى المؤسسة التشريعية.
أما في فاس، فالأمر بالنسبة إليّ يتجاوز مجرد موعد انتخابي عابر.
فاس مدينتي، وعشقي، ومكان انتمائي وذاكرتي، وأنا واحد من أبنائها الذين تابعوا تفاصيلها وتحولاتها، وعاشوا أفراحها وإخفاقاتها، ووقفوا طويلاً عند الأسئلة نفسها التي يرددها الفاسيون منذ سنوات: متى تستعيد فاس مكانتها؟ ومتى يصبح صوت ساكنتها مسموعاً؟ ومتى نرى منتخبين يضعون مصلحة المدينة فوق كل اعتبار؟
اليوم تبدأ الحملة، لكن المطلوب ألا تبدأ معها الأسطوانة نفسها.
كفانا من الوعود التي تنتهي بانتهاء يوم الاقتراع، ومن البرامج التي تبدو جميلة على الورق ولا تجد طريقها إلى الواقع، ومن الخطابات التي تكتشف المواطن قبل الانتخابات وتنساه بعدها.
فاس لا تحتاج إلى مزيد من الكلام… فاس تحتاج إلى من يشتغل.
وتحتاج، قبل ذلك، إلى القطع مع كل الممارسات التي أفسدت العمل الانتخابي والسياسي، ومع كل من يعتبر الانتخابات مجرد موسم للنفوذ والمصالح، أو يتعامل مع أصوات المواطنين باعتبارها سلعة قابلة للبيع والشراء.
ومن هنا رسالتي إلى المرشحين:
لا تقدموا للفاسيين ما لا تستطيعون الوفاء به.
قولوا للناس ماذا ستفعلون، وكيف ستفعلونه، وما الذي تستطيعون الدفاع عنه فعلاً داخل البرلمان. تحدثوا عن فاس كما هي، لا كما تريدون أن تظهر في الملصقات الانتخابية.
الفاسيون يريدون نواباً يترافعون عن مدينتهم، عن التشغيل والاستثمار، عن الشباب والنساء، عن الثقافة والفنون والرياضة، عن التعليم والصحة والنقل والبيئة، وعن إنصاف الأحياء التي تشعر بأنها خارج حسابات التنمية.
يريدون منتخبين حاضرين، لا أسماء تظهر في الحملات وتختفي بعد إعلان النتائج.
والرسالة الثانية أوجهها إلى ساكنة فاس:
هذه المرة، لا تتركوا قراركم للآخرين.
لا تقولوا إن صوتاً واحداً لن يغير شيئاً.
ولا تسمحوا لأحد بأن يشتري موقفكم أو يستغل حاجتكم.
ولا تجعلوا القرابة أو الصداقة أو الانتماء الحزبي وحده معياراً للاختيار.
صوتكم أمانة، ومستقبل فاس أمانة أكبر.
صوتوا بكثافة، ولكن الأهم أن تحسنوا الاختيار.
اختاروا من تعرفون أنه قادر على تحمل المسؤولية، ومن له حضور حقيقي بين الناس، ومن يمتلك القدرة والكفاءة والنزاهة والاستقلالية في اتخاذ القرار.
لقد مرت فاس بتجارب كثيرة، وبعضها لم يحقق ما كانت الساكنة تنتظره. ولذلك فإن تكرار الاختيارات نفسها وانتظار نتائج مختلفة ليس حلاً.
نحن بحاجة إلى تجديد حقيقي في النخب والوجوه والأفكار والممارسات.
وبحاجة كذلك إلى أن نقول بوضوح: انتهى زمن الشناقة وتجار الانتخابات، وانتهى زمن من يعتقد أن المال أو الضجيج أو كثرة الأتباع قادر على صناعة الشرعية.
الشرعية الحقيقية يصنعها صوت المواطن.
ومن يريد أن يمثل فاس عليه أن يعرف أن المقعد البرلماني ليس امتيازاً شخصياً، ولا وسيلة للوجاهة، ولا باباً لقضاء المصالح الخاصة.
إنه تكليف ومسؤولية ومساءلة.
ومن حق الفاسيين، بعد الانتخابات، أن يسألوا ممثليهم: ماذا فعلتم؟ ماذا دافعتم عنه؟ ماذا تحقق؟ وماذا بقي مجرد وعد؟
هذه الانتخابات ليست فقط سباقاً بين الأحزاب والمرشحين.
إنها أيضاً امتحان لوعي المواطن.
فإما أن نواصل الدوران في الحلقة نفسها، وإما أن نفتح صفحة جديدة عنوانها: المصلحة العامة أولاً.
وأنا، كمواطن وابن بار لهذه المدينة، لا أبحث عن مرشح أصفق له، ولا عن حزب أجامله.
ما أريده هو أن أرى فاس تنتصر.
أن تنتصر على منطق المصالح الضيقة، وعلى العبث الانتخابي، وعلى الوعود الوهمية، وعلى كل من جعل من السياسة وسيلة بدل أن يجعل منها خدمة عمومية.
لقد آن الأوان أن يكون السؤال الحقيقي يوم الاقتراع:
من يستطيع أن يخدم فاس؟
وليس: من يستطيع أن يفوز؟
فالفوز الحقيقي ليس في الحصول على المقعد، وإنما في القدرة على رد الجميل لمدينة منحت أبناءها الكثير وانتظرت منهم الكثير.
هذه المرة، فلنصوت بكثافة، ولنحسن الاختيار، ولنقطع الطريق على كل من يريد تحويل الانتخابات إلى سوق.
ولنتذكر جميعاً أن مستقبل فاس لا يُكتب في الملصقات الانتخابية، ولا في مهرجانات الخطابة، وإنما يُكتب في وعي المواطن وفي اختياره داخل صندوق الاقتراع.
فاس أولاً… وفاس أخيراً.
وما بين الأولى والأخيرة، لا مكان إلا لمصلحة فاس وساكنتها.

