بقلم: محمد غفغوف
غداً، لن تنفع كثرة الصور، ولا ارتفاع أصوات الهتافات، ولا ازدحام التجمعات الانتخابية، ولا عدد السيارات التي جابت شوارع فاس. ستنتهي الحملة، ستطوى اللافتات، وستعود الوجوه إلى حياتها العادية… ويبقى شيء واحد فقط: الصوت الذي وضعه المواطن داخل الصندوق.
وهنا تبدأ مسؤولية الفاسي الحقيقية.
قبل أن تضع ورقتك في الصندوق، لا تسأل فقط: من أعرف؟ ومن طلب مني؟ ومن تربطني به علاقة؟ ومن وعدني بشيء؟
اسأل سؤالاً أبسط وأصعب:
ماذا أعرف فعلاً عن الشخص الذي سأمنحه صوتي؟
لا تجعل المال الذي قد يُعرض عليك اليوم يمحو مصلحة مدينتك لسنوات. لا تجعل قفة أو مبلغاً أو وعداً بخدمة شخصية يختصر مستقبلك ومستقبل أبنائك.
فالمال ينتهي، أما القرار الذي ينتج عن صوتك فقد يمتد أثره لسنوات.
ولا تنخدع بالخطابات الكبيرة.
في الانتخابات يستطيع كثيرون أن يتحدثوا عن الشباب والتشغيل والثقافة والرياضة والتنمية والاستثمار وإصلاح المدينة. لكن المواطن الذكي لا يكتفي بما يسمعه خلال أيام معدودة.
يسأل: أين كان هذا الكلام قبل الانتخابات؟
يسأل عن الحضور، وعن المواقف، وعن العمل، وعن علاقة المرشح بالمدينة وساكنتها، وعن قدرته على الدفاع عن مصالحها، وليس فقط عن قدرته على جمع الناس حوله.
فاس ليست مجرد دائرة انتخابية.
فاس مدينة لها تاريخها وثقلها الثقافي والحضاري، ولها شباب ينتظر فرصته، وفنانون ومثقفون ورياضيون وفاعلون جمعويون ينتظرون من يسمعهم، وأحياء ومواطنون لهم مطالب يومية لا تختفي بمجرد انتهاء الحملة الانتخابية.
ولهذا، لا ينبغي أن تتحول الانتخابات إلى موسم مؤقت لاكتشاف المواطنين.
من يتذكرك اليوم لأنه يحتاج صوتك، يجب أن تسأله أين كان بالأمس عندما لم يكن يحتاج إليك.
ومن يرفع شعار خدمة فاس، اسأله ماذا يعرف عن مشاكلها.
ومن يتحدث عن المستقبل، اسأله ماذا فعل في الماضي.
ومن يطلب منك الثقة، من حقك أن تطلب منه ما يبررها.
ولا تجعل الهتافات تصوت مكانك.
فكثرة الحضور لا تعني بالضرورة جودة الاختيار، وكثرة التصفيق ليست شهادة كفاءة، وعدد السيارات لا يساوي عدد الإنجازات.
الانتخابات ليست حفلاً ولا مباراة جماهيرية.
إنها لحظة يتحول فيها المواطن من متفرج إلى صاحب قرار.
لذلك، لا تعطِ صوتك لأن الآخرين أعطوه، ولا لأن أحداً ضغط عليك، ولا لأنك تخشى إغضاب شخص، ولا لأن مرشحاً قدم لك خدمة شخصية.
صوتك سري، وقرارك ملكك.
وحين تغلق الستارة خلفك داخل مكتب التصويت، لن يكون معك أحد.
لا العائلة، ولا الصديق، ولا صاحب المال، ولا صاحب النفوذ، ولا صاحب الحملة.
ستكون أنت وضميرك والورقة.
وهناك بالضبط يجب أن تتذكر كل الوعود، وكل الوجوه، وكل السنوات، وكل ما قيل وما لم يُفعل.
فاس لا تحتاج إلى مواطن يندم بعد الانتخابات… بل إلى مواطن يفكر قبلها.
لا أحد يطلب منك أن تمنح صوتك لهذا أو ذاك.
المطلوب فقط ألا تمنحه بسهولة.
فكر، قارن، اسأل، تذكر، ثم قرر.
لأنك حين تضع صوتك في الصندوق، فأنت لا تمنح ورقة لشخص فقط…
أنت تمنحه جزءاً من مستقبل مدينتك.
والذين سيحملون المسؤولية بعد الانتخابات سيكونون، في النهاية، اختيار المواطنين.
لذلك، يا أبناء فاس:
لا تجعلوا يوم التصويت يوم نسيان… اجعلوه يوم ذاكرة ومحاسبة.
فاس تستحق أن يُمنح صوتها لمن يرى فيها مدينةً ومجتمعاً ومستقبلاً، لا مجرد أصوات تُجمع في موسم انتخابي ثم تُنسى بعد إعلان النتائج.
انتبهوا… فالخطأ في الاختيار قد يستمر سنوات، أما التفكير قبل وضع الصوت فلا يحتاج إلا إلى دقائق.

