تطوان: المغرب360
بقلم: محمد شقور، باحث في حقوق الإنسان والتقاضي الدولي
تعيش أوروبا خريفا غاضبا. فإلى جانب فرنسا، خرج المحتجون في بلجيكا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال واليونان وألبانيا، تحركهم أزمة غلاء المعيشة والسكن وتردي أوضاع التعليم. بعض هذه الاحتجاجات بقي سلميا، كاعتصامات السكن في مدريد ولشبونة وبورتو، وبعضها انزلق إلى العنف: مواجهات مع الشرطة في بروكسل، وشغب ونهب في ميلانو دفع الحكومة الإيطالية إلى نشر الجيش وإصدار مرسوم استعجالي يخفض سن المسؤولية الجنائية إلى 14 سنة. واللافت أن وسائل التواصل حضرت في أكثر من بلد، فدعوات التظاهر في فرنسا انتشرت على الإنترنت منذ سبتمبر، واحتجاجات ألبانيا نسقت عبر المنصات، والإعلام الإيطالي ربط شغب ميلانو في 18 أكتوبر بمقاطع مصورة تداولتها الشبكات.
غير أن فرنسا تبقى النموذج الأوضح كما هو معلوم، وعليها سينصب التحليل في هذا المقال حيث بدأت الحركة في 17 سبتمبر من ثانوية بمدينة كريتاي احتجاجا على نقص الأطر التعليمية، ثم امتدت إلى ضواحي باريس فسائر البلاد. وفي السابع عشر من أكتوبر 2026 خرج مئات الآلاف إلى شوارع فرنسا احتجاجا على غلاء المعيشة وتردي أوضاع المدارس. قدرت السلطات عددهم بنحو 550 ألفا، وقال المنظمون إنهم 800 ألف. غير أن الصورة التي بقيت في الأذهان لم تكن صورة المطالب، بل صورة النار التي التهمت مبنى بلدية ليموج، الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، أضرمت فيه النار عمدا حتى انهار سقفه، وقاعدة تمثال “ماريان” في ساحة الجمهورية بباريس فكك جزء منها، ومئات المحلات نهبت في باريس ومرسيليا وليون وبوردو، وأكثر من 500 من رجال الشرطة والدرك والإطفاء أصيبوا، وأكثر من 1800 شخص أوقفوا في يوم واحد. وبعد أيام ارتفع عدد الموقوفين إلى نحو 2500، أحيل أكثر من 800 منهم على النيابة العامة وأودع 149 السجن، وفرض حظر التجول ليلا في أحياء من باريس ومدن أخرى.
أمام هذا المشهد يسهل الانزلاق إلى أحد خطابين أولهما خطاب يجرم الاحتجاج كله، والثاني خطاب يبرر كل ما يقع باسم الغضب الاجتماعي. وكلاهما، في نظري، يضيع السؤال الحقيقي:
كيف وصل شباب يحمل مطالب مشروعة إلى إحراق ذاكرة مدينته ونهب متجر جاره؟
الاحتجاج حق، والتخريب ليس امتدادا له
لا بد من البدء بما هو محسوم قانونا. الحق في التجمع السلمي مكفول بالمادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وبالمادة 11 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وقد أكدت لجنة حقوق الإنسان الأممية في تعليقها العام رقم 37 لسنة 2020 أن أعمال العنف التي يرتكبها بعض المشاركين لا تنزع الطابع السلمي عن التجمع كله، ولا تبرر معاقبة المتظاهرين السلميين بفعل غيرهم غيرهم.
لكن هذا الحق نفسه يحمل حدوده في داخله. فالحماية الدولية تشمل “التجمع السلمي” وحده، ولا تمتد إلى إحراق مبنى عام أو كسر واجهة محل. والمادة 29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تذكرنا بأن على الفرد واجبات نحو الجماعة التي لا تنمو شخصيته إلا فيها. أما المالك الصغير الذي وجد متجره منهوبا صباح الأحد، فله هو الآخر حق محمي في احترام ممتلكاته بموجب المادة الأولى من البروتوكول الأول للاتفاقية الأوروبية. هذا الرجل لم يرفع الأسعار ولم يغلق المدارس، وهو في الغالب يعاني من الغلاء نفسه الذي خرج الناس للاحتجاج عليه. حين يصير هو الضحية، يكون الاحتجاج قد أخطأ هدفه وخان أصحابه.
ومبنى بلدية ليموج ليس جدرانا فقط. إنه جزء من ذاكرة جماعية تحميها روح إعلان اليونسكو لسنة 2003 بشأن التدمير المتعمد للتراث الثقافي، الذي يعتبر صون التراث مسؤولية مشتركة لأنه ملك للأجيال القادمة قبل أن يكون ملكا للحاضرين. من يحرق معلما عريقا يعتدي على حق لم يولد أصحابه بعد.
من ربى هؤلاء؟
هنا جوهر ما أريد طرحه. فكما لا يخفى على القارئ الكريم فقد قامت التنشئة الاجتماعية تاريخيا على ثلاث ركائز متكاملة وهي الأسرة، والمدرسة، والمرجعية الروحية والأخلاقية، دينية كانت أو إنسانية. هذه الركائز، على اختلاف الأديان والثقافات، كانت تلتقي عند قيم كونية واحدة تختزل في احترام الغير، وحرمة الملك العام والخاص، والإحساس بأن للفعل عاقبة وللضمير رقيبا.
ولا أتحدث هنا عن دين بعينه. فالوازع الديني، في الإسلام كما في المسيحية واليهودية وغيرها، أدى دورا بالغ الأهمية في التربية على القيم الحسنة، لأنه يزرع في الفرد رقيبا داخليا يعمل حين يغيب الشرطي والكاميرا . والقانون الدولي نفسه يعترف بهذا الدور، فالمادة 18 من العهد الدولي تكفل في فقرتها الرابعة حرية الآباء في تأمين التربية الدينية والأخلاقية لأبنائهم وفق قناعاتهم. والدولة العلمانية، كما هو الحال في فرنسا، مطالبة بالحياد بين الأديان، لكنها ليست مطالبة بإفراغ الفضاء التربوي من كل مرجعية أخلاقية.
ما حدث خلال العقدين الأخيرين هو أن ركيزة رابعة دخلت على الخط وزاحمت الثلاث الأخرى حتى كادت تزيحها وهي منصات التواصل الاجتماعي. فالمراهق يقضي اليوم ساعات أمام شاشة لا يعرف من يقف خلفها، تقترح عليه خوارزمية مصممة لشد انتباهه بأي ثمن. والمحتوى الذي يشد الانتباه أكثر من غيره هو المحتوى الصادم المتمثل في العنف المصور، والسخرية من كل قيمة، وتحويل التخريب إلى استعراض يصور وينشر ويحصد عليه الإعجاب.
هذه المنصات لم تكن، ولفترة طويلة، تخضع لأي حسيب أو رقيب حقيقي. ترك الطفل وحيدا أمامها، في الوقت الذي انشغل فيه الآباء بضغوط العيش، وتراجعت فيه المدرسة تحت وطأة ضعف الموارد، وانسحبت فيه المرجعيات الروحية من الحياة اليومية لكثير من الشباب. النتيجة جيل تشكلت قيمه في فضاء لا يعترف بالمرجعية ولا بالعاقبة، فصار يرى في المعلم العريق مجرد خلفية لمقطع فيديو، وفي متجر الجار غنيمة متاحة.
إنصافا للحقيقة
لكن الأمانة العلمية تقتضي ألا نحمل المنصات وحدها كل شيء. فالسلطات الفرنسية نسبت العنف إلى مجموعات يسارية متطرفة وإلى من التحقوا بالمظاهرات بقصد النهب، وأوقفت في قضية حريق بلدية ليموج رجلا في الأربعين، قالت مصادر أمنية إنه ناشط من أقصى اليسار مدرج في قوائم المراقبة، ولم تربطه بالمهاجرين، خلافا لما روجت له بعض الأصوات السياسية داخل فرنسا وخارجها. وهذا تحذير مهم فإلقاء اللوم على فئة بعينها، دينية أو عرقية، هو بدوره ثمرة من ثمار الخطاب المسموم نفسه الذي تنشره المنصات. ثم إن الغضب الاجتماعي حقيقي، وغلاء المعيشة وتراجع المدرسة العمومية ليسا من صنع الخوارزمية.
ما نقوله إذن ليس أن وسائل التواصل “سبب” الاحتجاج، بل إنها ساهمت في تشكيل الطريقة التي يعبر بها جزء من الشباب عن غضبه، بلا ضوابط، وبلا تمييز بين الخصم والضحية، وبلا إحساس بأن ما يحرق اليوم لن يعوض غدا.
ما العمل؟
من منظور حقوقي، الحل لا يكمن في القمع ولا في الرقابة الشاملة على الإنترنت، لأن حرية التعبير المكفولة بالمادة 19 من العهد الدولي ليست ثمنا نقبل دفعه. الحل في إعادة التوازن بين ركائز التنشئة، وأقترح فيه ثلاثة مسارات:
أولا، تفعيل مسؤولية المنصات فالاتحاد الأوروبي وضع عبر قانون الخدمات الرقمية، التزامات على المنصات الكبرى بتقييم المخاطر المنهجية لخدماتها، ومنها أثرها على القاصرين. والمطلوب تطبيق هذه الالتزامات بصرامة، وفرض الشفافية على الخوارزميات التي تكافئ المحتوى العنيف. واتفاقية حقوق الطفل نفسها، في مادتها 17، تدعو الدول إلى حماية الطفل من المعلومات والمواد الضارة بمصلحته.
ثانيا، إعادة الاعتبار للأسرة والمدرسة والمرجعيات الروحية والأخلاقية، كل في حدوده، وجعل التربية على القيم الكونية والتربية الرقمية جزءا أصيلا من المناهج. فالمادة 29 من اتفاقية حقوق الطفل تجعل من أهداف التعليم تنمية احترام حقوق الإنسان، وإعداد الطفل لحياة مسؤولة في مجتمع حر بروح من التفاهم والتسامح.
ثالثا، حماية الحق في الاحتجاج السلمي بقوة، وفي الوقت نفسه محاسبة المخربين محاسبة عادلة وفردية، مع تعويض المتضررين من أفراد المجتمع الذين لا يد لهم فيما جرى. وهنا يجب التنبيه إلى خطر الاتجاه المعاكس، ففي 22 أكتوبر منعت السلطات الفرنسية مظاهرات طلابية في باريس وليون وليل وغرونوبل، وأعلنت عن عملية أمنية “ضخمة” يشارك فيها الجيش دعما للشرطة. حفظ النظام العام واجب، لكن التعليق العام رقم 37 يشترط أن يكون أي تقييد للتجمع ضروريا ومتناسبا، وألا يتحول المنع الشامل إلى عقاب جماعي لشباب سلميين بسبب أفعال قلة منهم. فالرد على التخريب لا يكون بمصادرة الحق، بل بحمايته من الذين يسيئون إليه.
خاتمة
إن ما رأيناه في فرنسا ليس أزمة فرنسية فقط. وامتداد الاحتجاجات إلى عواصم أوروبية أخرى دليل على ذلك. إنه إنذار لكل مجتمع، في أوروبا وفي عالمنا العربي، ترك تربية أبنائه لشاشة لا ضمير لها. الحق في الاحتجاج من أعظم مكاسب الإنسانية، لكنه لا يعيش إلا في أرض تربت على القيم. وحين تحترق تلك الأرض، لا يبقى للمطالب المشروعة من يسمعها.

