بقلم : محمد غفغوف
هناك بيانات رسمية لا تُقرأ فقط بما تقوله، وإنما بما تفتحه من أفق. والبلاغ الصادر عن الديوان الملكي بشأن التطورات المرتبطة بقضية الصحراء المغربية ينتمي، في تقديري، إلى هذا النوع من الرسائل السياسية التي تستحق أن تُقرأ بعمق، بعيداً عن القراءة السطحية أو الاكتفاء بتفاصيل تقنية مرتبطة ببعثة أممية أو باجتماع لمجلس الأمن.
الرسالة الأهم في البلاغ هي أن المغرب ينظر إلى قضية وحدته الترابية من زاوية جديدة، وأن المرحلة المقبلة لا يمكن أن تكون مجرد استمرار لآليات ظلت قائمة لعقود، وإنما مرحلة تقوم على تغيير عميق في محددات التعاطي مع هذا الملف، بما ينسجم مع التحولات التي عرفتها القضية الوطنية خلال السنوات الأخيرة.
وهنا تظهر قيمة القرار الملكي بجعل 31 أكتوبر من كل سنة «عيد الوحدة»؛ فالمناسبة لم تأتِ لتكون مجرد تاريخ جديد يضاف إلى قائمة الأعياد الوطنية، وإنما لتجسيد معنى سياسي ووطني واضح: الوحدة الوطنية والترابية للمملكة ليست موضوعاً موسمياً، ولا قضية مرتبطة بظرف دولي عابر، وإنما ثابت من ثوابت الدولة المغربية وذاكرة أجيالها ومستقبلها.
وقد أن عيد الوحدة، يشكل مناسبة وطنية للتعبير عن التشبث بالوحدة الوطنية والترابية وبالمقدسات الوطنية والحقوق المشروعة للمملكة.
ومن هذه الزاوية تحديداً ينبغي قراءة التطورات الجديدة.
المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لم يعد يتعامل مع قضية الصحراء بمنطق رد الفعل، بل بمنطق المبادرة والثقة في النفس. لقد راكمت المملكة خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من العلاقات والشراكات والمواقف الدولية، وأصبح مقترح الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية جزءاً أساسياً من النقاش الدولي حول التسوية.
لكن الأهم من كل ذلك أن الدولة المغربية ظلت واضحة في تحديد سقفها الوطني: الوحدة الترابية ليست موضوعاً للمساومة، وإنما البحث هو عن حل سياسي نهائي للنزاع الإقليمي المفتعل حولها.
فالمغرب يستطيع أن يناقش آليات الحل، وأن ينفتح على الحوار، وأن يدعم المسار السياسي، وأن يتفاعل مع الأمم المتحدة وشركائه الدوليين، لكنه لا يناقش مغربية الصحراء باعتبارها حقيقة وطنية وتاريخية وسيادية. وهذا الموقف سبق أن عبّر عنه جلالة الملك بوضوح حين أكد أن المغرب لا يتفاوض على صحرائه، وإنما يتفاوض من أجل إيجاد حل سلمي للنزاع.
ومن هنا تبدو الرسالة الملكية في المرحلة الحالية أكثر عمقاً من مجرد خلاف حول مهمة بعثة أو آلية أممية.
إنها رسالة مفادها أن الزمن يتغير، وأن المقاربات التي ارتبطت بمرحلة سابقة لا يمكن أن تتحول إلى غاية في حد ذاتها. فالمؤسسات والآليات الدولية وُجدت لخدمة الحلول، وليس لإدارة النزاعات إلى ما لا نهاية.
والمغرب، وهو يحتفل بعيد الوحدة، لا يحتفل فقط بما تحقق، وإنما يستحضر أيضاً مساراً وطنياً طويلاً من التضحيات والعمل الدبلوماسي والتنمية وبناء المؤسسات في الأقاليم الجنوبية.
إنها مناسبة لتجديد الثقة في الدولة ومؤسساتها، وفي القيادة الملكية التي تدير هذا الملف بحسابات استراتيجية بعيدة المدى، وبإيمان راسخ بأن الدفاع عن الوحدة الترابية لا يكون بالصخب، وإنما بالنفس الطويل، وبالعمل الدبلوماسي، وبالتنمية، وبالحضور الدولي، وبقوة الحجة والحقائق.
وإذا كان خصوم الوحدة الترابية قد اعتادوا على انتظار كل محطة دولية أملاً في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، فإن المغرب يواصل السير إلى الأمام.
والرسالة التي ينبغي أن تصل اليوم واضحة: المغرب لا يعيش على انتظار مواقف الآخرين، بل يصنع تحوله ويواصل تثبيت واقعه الوطني والدبلوماسي والتنموي.
وفي هذه اللحظة الوطنية، لا يسعنا إلا أن نجدد التعبير عن الاعتزاز بالوطن وبوحدته الترابية، وعن دعم كل القرارات والمبادرات التي تتخذها المملكة دفاعاً عن مصالحها العليا، تحت القيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، حامي حمى الملة والدين والوطن.
لقد كان المغرب دائماً، وسيظل، بلداً يعرف كيف يدافع عن ثوابته بهدوء وثقة، وكيف يحول التحديات إلى فرص جديدة لبناء المستقبل.
الصحراء مغربية، والمغرب في صحرائه، والوحدة الترابية للمملكة ثابت وطني راسخ، لا تغيره تقلبات السياسة ولا حسابات العابرين.

