بقلم: محمد غفغوف
ليست قيمة أي برنامج حكومي في عدد صفحاته، ولا في قوة العبارات التي تتضمنها وثيقته، وإنما في قدرته على الانتقال من النص إلى الواقع، ومن الالتزام السياسي إلى أثر يشعر به المواطن في حياته اليومية.
ومن هذه الزاوية، تبدو قراءة البرنامج الحكومي الذي قدمته السيدة فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمان في حاجة إلى قدر من الهدوء والموضوعية، بعيداً عن الأحكام المسبقة، لأن الحكومة الجديدة لا تبدأ من فراغ، كما أنها لا تملك عصاً سحرية لحل جميع الإشكالات في وقت وجيز.
لقد اختارت الحكومة أن تجعل من الإنصات، والواقعية، وترجمة الالتزامات إلى برامج قابلة للتنفيذ عناوين أساسية لعملها، وهو توجه يكتسي أهمية خاصة في مرحلة أصبحت فيها انتظارات المواطنين أكثر ارتباطاً بالنتائج الملموسة من الخطابات والشعارات.
واللافت في البرنامج أن الأولويات المعلنة تلامس مباشرة الملفات التي تشغل المواطن المغربي: الشغل، القدرة الشرائية، جودة المدرسة العمومية، تحسين الخدمات الصحية، السكن، وتقليص الفوارق المجالية، إلى جانب قضايا الماء والطاقة والأمن الغذائي.
وهنا تكمن إحدى نقاط قوة المرحلة الجديدة: أن النقاش لم يعد فقط حول حجم المشاريع والاستثمارات، وإنما حول مردوديتها ومدى انعكاسها على حياة الناس.
فالمغرب راكم خلال السنوات الماضية أوراشاً وإصلاحات ومشاريع كبرى، لكن التحدي المطروح اليوم هو ضمان استفادة أوسع وأكثر عدالة من ثمار هذا التطور، خصوصاً بين المجالات الترابية والفئات الاجتماعية المختلفة. وهذا ما جعل البرنامج الحكومي يتحدث صراحة عن الانتقال من توسيع التغطية الاجتماعية إلى تحسين جودة الخدمات، ومن حجم الاستثمار إلى مردوديته، ومن تعدد البرامج إلى تكاملها وأثرها.
ولعل أهمية هذه الرؤية تكمن أيضاً في أنها تضع المواطن في قلب عملية التقييم.
فنجاح الحكومة لن يقاس فقط بعدد القوانين المصادق عليها أو المشاريع التي تم الإعلان عنها، وإنما بمدى قدرة هذه السياسات على خلق فرص شغل، وتحسين المدرسة والمستشفى، وتخفيف أعباء الحياة، وتحقيق قدر أكبر من الإنصاف بين المدن والقرى والمجالات الترابية.
كما أن طبيعة الأغلبية الحكومية الجديدة، التي تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، تضع أمام مكوناتها مسؤولية تحويل التوافق السياسي إلى انسجام في العمل الحكومي، وإلى قدرة فعلية على تنفيذ البرنامج المشترك.
وهنا أيضاً تبرز مسؤولية البرلمان، أغلبية ومعارضة، في مواكبة العمل الحكومي بالنقاش والتشريع والرقابة والتقييم. فالبرنامج الحكومي نفسه جعل التعاون مع المؤسسة التشريعية واحترام أدوارها جزءاً من شروط نجاح المرحلة.
أما السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، التي أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب، فتواجه مسؤولية وطنية كبيرة في قيادة هذه المرحلة الجديدة، في ظرف داخلي وخارجي يعرف تحولات متسارعة، من الاقتصاد العالمي وسلاسل الإنتاج إلى التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وتحديات الماء والمناخ والأمن الغذائي.
ومن الطبيعي أن تمنح الحكومة الجديدة فرصة للعمل.
فالانتقاد حق ديمقراطي، والمساءلة ضرورة مؤسساتية، لكن الحكم على التجربة ينبغي أن يستند إلى النتائج والمعطيات، لا إلى الانطباعات المسبقة.
المغاربة اليوم لا يحتاجون فقط إلى حكومة تتحدث عن المستقبل، وإنما إلى حكومة تجعل المستقبل أكثر قابلية للعيش بالنسبة إلى المواطن والأسرة والشاب والعامل والمقاول وساكنة العالم القروي والمناطق التي ما زالت تنتظر نصيبها العادل من التنمية.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة تستحق المتابعة بعين إيجابية ونقدية في الوقت نفسه: إيجابية لأنها تمنح الأمل في إنجاز ما تم الالتزام به، ونقدية لأنها تجعل النتائج وحدها معياراً للحكم على السياسات العمومية.
وبين البرنامج الحكومي والتنفيذ مسافة لا تختصرها الخطب.
إنها مسافة العمل، والوقت، والموارد، والنجاعة، والمحاسبة.
وفي نهاية المطاف، سيبقى السؤال الأبسط والأكثر أهمية:
ماذا تغير في حياة المواطن؟
إذا استطاعت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري أن تقدم جواباً عملياً ومقنعاً عن هذا السؤال، فإن ذلك سيكون أهم ما يمكن أن يميز هذه الولاية الحكومية.

