بقلم محمد غفغوف
في السياسة، ليس النجاح فقط رهين الإرادة أو النزاهة، بل هو معادلة تتطلب انسجامًا بين القيادة وفريق العمل، ودعمًا من الحلفاء، وإرادة حقيقية للتغيير.
هذه العوامل، للأسف، لم تكن حاضرة بالشكل المطلوب في تجربة الدكتور عبدالسلام البقالي على رأس جماعة فاس، لم يكن الرجل مجرد رئيس جماعة، بل كان مشروعًا يحمل طموحًا لتغيير وجه المدينة، غير أن الواقع السياسي المحلي كان أقسى مما توقعه، وأشد مما يحتمله مشروعه الإصلاحي.
فمنذ توليه رئاسة المجلس، وجد البقالي نفسه على رأس تحالف غير متجانس، أشبه بفسيفساء سياسية تجمع بين تيارات متناقضة، لكل طرف فيها حساباته الخاصة وأجنداته الضيقة، لم يكن هذا التحالف بنيانًا مرصوصًا بقدر ما كان مائدة كلٌّ يريد نصيبه منها، وعندما احتدمت المعارك، كان أول من دفع الثمن هو الرئيس، الذي كان عليه أن يواجه خصومه داخل المجلس كما خارجه، وأحيانًا حتى من داخل فريقه نفسه.
الفارق في المستوى الفكري والسياسي بينه وبين بعض أعضاء التحالف كان فجوة يصعب ردمها، حيث لم يكن كثيرون منهم قادرين على استيعاب رؤيته أو السير في نهجه، مما جعل إدارة الجماعة أقرب إلى السير وسط حقل ألغام، كل خطوة فيه محسوبة بعناية، وكل قرار محفوف بالمزايدات والمناكفات.
ولم يكن ضعف الانسجام داخل التحالف المشكلة الوحيدة، بل زاد الطين بلة غياب دعم القيادات الإقليمية للأحزاب المشكلة للأغلبية، هذه القيادات التي كان يُفترض أن تكون سندًا له، إما انسحبت إلى موقع المتفرج أو انشغلت بحسابات أخرى، تاركة الرجل في مهب الريح، حتى بعض أقرب الأشخاص إليه داخل المكتب المسير لم يكونوا عند مستوى اللحظة، وكانوا أول من يقفز من السفينة عندما تشتد العواصف.
ورغم كل ذلك، ظل البقالي يقاوم، يدافع عن برامج المجلس، يواجه المعارضة التي لم تكن أقل ضراوة، ويعمل على تحريك الملفات العالقة، دون أن يجد كتفًا حقيقيًا يسنده في هذه المعركة.
قد يقول البعض إن هذا المقال دفاع عن الرجل، ولكن الحقيقة أبعد من ذلك، لا حاجة للبقالي إلى من يدافع عنه، فهو يملك من الكفاءة والنزاهة ما يشهد له به من عاشروه وعملوا إلى جانبه، لكن الإنصاف يفرض علينا أن نقول الحقيقة كما هي، بعيدًا عن غوغائية سليطي اللسان وجلساء المقاهي الذين يصدرون الأحكام الجاهزة دون معرفة تفاصيل المشهد.
أنا لا أكتب هذا من باب المصلحة الذاتية أو التملق، بل لأنني عرفت الرجل في مدرسة حزبية أصيلة، وكان أحد أعمدتها، رجلًا بمواقف نبيلة، وإنسانًا حتى النخاع، ابن عائلة وطنية مشهود لها بالمروءة والشرف، عرفته عندما كان يدبر مقاطعة جنان الورد، وعرفته نائبًا برلمانيًا، وعرفته في أدق لحظات ولايته على رأس المجلس، وفي كل تلك المحطات، لم أجد فيه إلا المسؤول الذي يحاول أن يشتغل رغم الظروف، والإنسان الذي لم تغيره السلطة، ولم تجعله يبيع مبادئه.
ختامًا، ففاس أكبر من الجميع، وقد تنتهي تجربة البقالي على رأس جماعة فاس، ولكن المدينة ستبقى، والتاريخ سيحفظ من خدمها بإخلاص ومن خذلها لحسابات صغيرة، فاس لا تحتاج إلى متآمرين في الخفاء، ولا إلى متربصين يقتاتون من الإشاعات، بل إلى رجال يضعون مصلحتها فوق كل اعتبار.
قد نختلف مع البقالي، وقد ننتقد بعض اختياراته، لكن لا يمكن أن ننكر أنه واجه إعصارًا سياسيًا عاتيًا، وبقي واقفًا حتى اللحظة الأخيرة، بينما انحنى كثيرون أمام أول ريح.

