بقلم : محمد غفغوف
في الوقت الذي تبذل فيه مصالح الأمن الوطني والدرك الملكي جهودًا جبارة في مكافحة الجريمة ومظاهر الانحراف والتطرف، يعمق الواقع أسئلة محرجة حول دور الفاعلين الآخرين في جبهة حماية المجتمع، فماذا عن الإعلام؟ وأين هو المجتمع المدني؟ بل من يحاسب من خذل هذه الأدوار النبيلة واختار التواطؤ مع الريع والمصالح الفئوية الضيقة؟
رجال الأمن يؤدون ضريبة جسيمة في سبيل استتباب الأمن والسلم الاجتماعي، حيث لا يمر أسبوع دون أن نسمع عن إصابات بليغة أو وفيات في صفوفهم، وهم يطاردون مجرمين أو يفككون شبكات متطرفة أو يواجهون تجار السموم البيضاء والسوداء، تضحيات كثيرة، بعضها مكلّل ببطولات تُحكى في صمت، وبعضها يُدفن في لامبالاة مجتمع يتفنن في انتقادهم عند الزلات، وينسى أنهم من يحرسون نومه وطمأنينته.
لكن، من المؤسف أن يكون الإعلام، بكل أجناسه، غائبًا عن أداء دوره التوعوي والرسالي، ففي زمن “البوز”، أصبح الاتجار في المآسي، واستغلال الكوارث الاجتماعية مدخلًا للربح السهل وحصد المشاهدات، أين هي المواد الإعلامية الجادة التي تُعرف بالشخصيات الأمنية النموذجية؟ أين هي البرامج التي تسلط الضوء على الوقاية من الجريمة بدل ملاحقة آثارها؟ لقد أصبح الإعلام سجينًا لمعادلة الربح المادي والفرجة السطحية، على حساب وظيفته المجتمعية الأصلية.
وإذا كان الإعلام قد سقط في فخ التسليع، فإن المجتمع المدني بدوره يعيش انحرافًا أخلاقيًا خطيرًا، فما أكثر الجمعيات وما أقل العمل الجاد! صار أغلبها مطية للريع، ووسيلة لقضاء المصالح الشخصية، وخدمة لأجندات انتخابية مكشوفة، بدل أن تكون منارات للوعي والتطوع ونكران الذات، أين هي الجمعيات التي كانت تُؤطر الناشئة وتحتضن الشباب وتُحصّنهم من مخاطر التطرف والانحراف؟ لقد استقالت الأغلبية، واختارت الاسترزاق باسم المبادئ.
إن الوقت قد حان لوقفة حقيقية، نُراجع فيها أدوارنا كل من موقعه، بعيدًا عن الشعارات والتصفيق الفارغ، مسؤولية بناء مجتمع آمن وسليم لا تقع فقط على كاهل رجال الأمن، بل هي مسؤولية جماعية تشترك فيها المدرسة، والأسرة، والإعلام، والمجتمع المدني، وكل القوى الحية.
لن نستطيع أن نبني مجتمعًا متوازنًا ما دمنا نتواطأ بالصمت، أو نرتدي عباءة النفاق الاجتماعي، ونكتفي بمشاهد المأساة من خلف الشاشات، حان وقت استرجاع المعنى الحقيقي للمسؤولية، والتطوع، والإعلام النبيل.
هي مناسبة، نوجه فيها نداءً لكل الضمائر الحية، لكل من تبقى لديه ذرة غيرة على هذا الوطن وشبابه، أن يتحمل مسؤوليته دون تأجيل أو تبرير، نداء إلى الإعلاميين أن يعودوا إلى جادة الصدق والرسالة النبيلة، وإلى الفاعلين الجمعويين أن يطهروا صفوفهم من الوصوليين والانتهازيين، وأن يستعيدوا وهج التطوع وروح المبادرة المواطِنة.
كما نقترح، كخطوة أولى، إطلاق مبادرة وطنية بشراكة بين الإعلام العمومي والمجتمع المدني ووزارة الداخلية، يكون هدفها إنتاج برامج توعوية دورية موجهة للناشئة واليافعين، تُبث في المدارس، وفي الفضاءات العمومية، وعلى المنصات الرقمية، مع تنظيم قوافل تربوية وتكوينية تجوب الأحياء الهامشية والمناطق القروية، تُعرّف بمخاطر الانحراف وتُبرز قصصًا واقعية لأشخاص عادوا إلى الطريق السليم، ولرجال أمن أدوا ثمن حمايتنا.
إن لم نفعل ذلك اليوم، فالغد قد لا يسعفنا.
المجتمع لا يُحمى بالشعارات، بل بالفعل المشترك، والتضحية من أجل الأجيال المقبلة.

