بقلم: محمد غفغوف
في كل موسم انتخابي، نُفاجأ – دون أن نُفاجأ حقًا – بأسماء تتكرّر، وأخرى تُستنسخ، وأغلبها لا يُقنع عقلًا نبيهًا ولا يزرع في الناس أملًا في التغيير، فعلى مدى عقدين من الزمان أو يزيد، لم تكن النخب المنتخبة – في أغلبها – سوى مرآة لخلل عميق في منظومة إنتاج النخب، وفي عقلية الأحزاب، وفي نظرة المواطن نفسه إلى السياسة.
هل تحتاج إلى دليل؟ انظر في قوائم المتابعين بتهم تبديد المال العام، أو المودَعين في السجون، أو المترددين على أبواب محاكم جرائم الأموال، لا نتحدث هنا عن أفراد معزولين، بل عن “عدد معتبر” كما يقول القانونيون، ممن مُنحوا “شرعية التمثيل” في الجماعات والمجالس والبرلمان، وأحيانًا في مؤسسات وطنية كبرى.
الواقع أن أغلب الأحزاب، للأسف، لا تهمها من العملية الديمقراطية سوى صناديق الاقتراع… أو بالأحرى، نتائجها، لا يهمها من ترشّح، بقدر ما يهمها أن يربح، فلتكن القائمة مليئة بوجوه تفتقر إلى الكفاءة أو التجربة، لا بأس إن كانت ملاحَقة قضائيًا أو تحمل سجلًا من الفضائح، ما دامت تملك “مفاتيح الفوز”: المال، الزعامة المحلية، أو “الجاه القبلي”.
لقد تحولت الانتخابات إلى سوق نخاسة سياسية، لا يعلو فيه صوت الصالح العام إلا كشعار أجوف، أو كمطيّة لبلوغ المنافع الذاتية، والترفيه الاجتماعي، وتحصين المصالح بوعي وإصرار.
إن الواجب الوطني والأخلاقي يفرض على الأحزاب أن تتحمل مسؤوليتها كاملة في اختيار من تضعهم على قوائمها، نحتاج إلى نخبٍ حقيقية: مكوّنة، مواطِنة، مقتنعة بالعمل العام كرسالة لا كغنيمة، ومؤمنة بقيم التطوع والعدالة والمسؤولية، نحتاج إلى أحزاب تؤمن بالتكوين وإعادة التكوين، بالتقويم والمحاسبة، لا أحزاب تستسلم للابتذال وتسوّق للنفايات البشرية والسياسية.
لسنا بحاجة إلى نخب مريضة أو معطوبة فكريًا ونفسيًا، تنظر إلى المرفق العمومي كعقار مهجور يمكن استباحته، نحن بحاجة إلى قيادات تحترم ذكاء الناس وتحمل همومهم، لا من يركبون ظهورهم للوصول إلى قاعات مكيفة ومناصب مترفة.
فاللهم نجّنا من “المنظومات المريضة” التي تحوّل الشأن العام إلى مزرعة خاصة… واجعل لنا من رحم هذا العبث، نخبة تُشبه الحلم، أو على الأقل، تُشبه الشعب.

